تحسين المنذري
كان غضا حينما وعى إن للوطن رجالا يتقدمون
الصفوفَ ويقولون مالم يقله غيرهُم ، يفتدون
الشعبَ بكل غالٍ ، ولا يتوانون عن التضحيةِ
بالنفس ، إنهم يحبون شعبهم
" حبينا الشعب والشعب حب ربعه "
وما أن تصلّب عوده قليلا حتى صار يبحث عن
مكانٍ لنفسِهِ بين تلك الصفوف ، عرف إنه صار
رجلا ولا بد أن يكون مع من أحب وعرف ،فأنتظم
بخلية ، يسير اذا سار رفاقه ولا يتوقف الا
لحماية مؤخرة القلعة
" مشينا الخلايا والخلايا لو مشت قلعة "
صار الوطن هو القلب ، به ومنه يعيش ، ترتفع
الاصوات ومعها صوته ، وفي الحزب يغضب ومن أجله
تنتفخ عروقه ويحمروجهه ، لم يعرف للتعب معنىً
، ولم تكن الراحة إلا جلسة سمر مع من أحب ،
إنهم رفاق الدرب ، جهدهم وعرقهم هو النبع
الصافي الذي منه يرتشف سكرات الحياة ، صار
الحزب نبض الحياة ، مع رفاقه يردد اناشيده ،
ولطالما أحب
" ياحزبي ياماي النبع "
وتشتد الحياة قسوة ، ويعتصر القلب ألما على من
غادر ولم يعد ، وتزداد الدنيا ظلمة ، وتضيق
الدروب ، وتحتبس الانفاس ، وغصة في النفس ،
حتى اذا ارتمى في حضن أُمه ، سمعها تقول :
" يا إبني إبن الجلب يرضع من حليبي …."
ينهض مستفزا، يضع يده على فمها ، ويتوسل اليها
ألا تكمل ، فهو يعرف ماتريد،
يستعيد أنفاسه ، ويقسم ألا يهادن ، يلملم
ماتبقى من الروح ،يشد نفسه لنفسه ، يضمد جراحه
، ويعصف في وجوه الجلادين :
" كل الليالي السود مانكضتنه"
يقطع الليل الطويل لوحده ، لايمل الانتظار ،
يسترق السمع ، لايعرف للسكينة طعما ، يقسو على
نفسه ، وعينه ترنو نحو الشمس ، لابد للاشراق
من موعد ، كثيرا ماردد مع نفسه ، وهاهو البرق
يغشي عينيه ، ويشعر بالدفء في أوصاله ، يركض
لاتثنيه ريح ، ولا تصده عاصفة ، يحتضن من عاد
ومن بقى ، والدمع مدرارا ، والقلب خفاقا ،
والروح عطشى ، ويفهم الان كيف ترتوي ، فيعرف
لاول مرة معنى :
" ياحزبي ياماي النبع "