تقي الوزان
يعتقد الكثير من العراقيين أن لاخلاص للعراق ما دام النظام
الايراني موجوداً , وسيستمر العراق ساحة لتصفية الحسابات بين ايران والولايات
المتحدة الامريكية , حتى لو تم القضاء على عصابات القاعدة , وتم تطمين احتياجات
البعثيين في ضمان عدم ملاحقتهم , واشراكهم الفعلي في السلطة , كما يجري عليه
العمل حالياً . ويؤكد العراقيون ايضاً , ان الذي يخدم النظام الايراني في تعميق
تواجده ليس الامتداد المذهبي الشيعي كما يحاول مرتزقة هذا النظام تسويقه , بل
في دمج مصلحة النظام الايراني وتطلعاته القومية مع متطلبات الطائفة الشيعية
العراقية , ويجعل من نفسه حامي للشيعة في كل مكان .
ان اللقاء المرتقب على مستوى السفراء بين النظام الايراني والولايات المتحدة
الامريكية في بغداد خلال الايام القادمة , يناقش كيفية مساعدة الحكومة العراقية
في تحقيق الامن كما هو معلن , وربما مواضيع أخرى قد تصل الى المشروع النووي
الايراني . ومع هذا الاعلان أخذ الدائرون في فلك المشروع الايراني يروجون لفكرة
التعاون – ربما الستراتيجي – الذي سيقام بين ايران واميركا , ومعهم الكثير من
الطبالين العرب الذين يحركهم كرههم للأمريكان فقط , ويعتقدون انهم يثيرون مخاوف
الانظمة العربية الرسمية , وبالذات الخليجية , لدفعها للتعاون مع الجارة
المسلمة النووية , قبل ان يفوتهم القطار ويتم التفاهم على " سايكس بيكو " جديدة
بين " العملاقين " النوويين ايران وأميركا . وتناسوا أصطفاف هذه الانظمة بكل
امكانياتها خلف صدام في حربه على ايران , وكانو السبب الرئيسي في استمرار الحرب
لثمان سنوات .
بهذه السطحية لبعض الخبراء والمحللين السياسين لهذه الأمة البائسة , يجري
التعامل مع قضية الارهاب الدولي , ودول محور الشر , وصراع الحضارات . وكأن
الصراع بين ايران وأمريكا هو صراع شخصي , تجري تصفيته بلقاء أو لقائين تزول
فيها اسباب التوتر النفسي بين " الشقيين" ليعاودا بعدها اقتسام النفوذ و"
الخاوة " من باقي ابناء المحلة . وليس صراع بين مشروعين كونيين , لابد ان ينتهي
احدهما بأنتصار الآخر .
وبعكس الذين يكتئبون ويعتبرون ان مجرد الاجتماع هو نجاح دبلوماسي لايران ,
طالما بحثت عنه طيلة السنوات الماضية . أرى ان هذا الأجتماع هو بداية التحرك
الجاد على طريق صدام المشروعين , والطرفان يدركان ان الاجتماع ليس الا أستشعار
مباشر للتوجهات ضمن ما يسمى ب"صراع الارادات" . ويدركان ايضاً أن الورقة
العراقية هي الاقوى بيد الايرانيين , ومن صالحهم ان يتم النزال في هذه الساحة
التي كثر فيها التخبط الامريكي , وأصبحت العتبة الرئيسية للعبور, وتغيير
المنطقة برمتها .
ان الامريكان يأملون من هذا اللقاء , ولقاءآت أخرى ستتبعه لتأخير لحظة الصدام
الى فترة أخرى , يستكملون فيها تأثير العقوبات التي بدءت تظهر في داخل المجتمع
الايراني . وحسب ما يورد الدكتور عبدالله المدني الخبير في الشؤون الايرانية في
محاضرته في جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي , ان نسبة البطالة في ايران أصبحت
25 في المئة , و40 في المئة من عدد السكان تحت خط الفقر , ويعاني اكثر من ستة
ملايين ايراني من مشاكل الادمان على الافيون والحشيش , ومعدلات التضخم في اسعار
المواد الضرورية 17 في المئة , وترزح الدولة تحت ديون خارجية تزيد على 25 بليون
دولار اي ما يعادل ربع الناتج القومي الكلي , وتستورد ايران الغنية في النفط
والغاز 40 بالمئة من حاجاتها من المشتقات النفطية والمحروقات مثل البانزين
والمازوت من الخارج بسبب النقص الكبير في مصافي التكرير , وانفقت الدولة في
العام الماضي نحو24 مليار دولار على استيراد المحروقات وزيوت الطبخ فقط .
ان النظام الايراني أخذ صبره ينفذ , ويستعجل لحظة التصادم ليضع اسباب التردي
المذكورة على عاتق التدخل الخارجي "الامريكي" الذي لايريد لايران ان تزدهر,
وطالما سوق للشعوب الايرانية فكرة ارتباط رخائهم بأكمال مشروعهم النووي .
والنظام اخذ يدرك أستحالة السير بهذا المشروع , وهو بحاجة الى ضرب منشآت
المشروع النووي فقط , للتخلص من مسؤولية الخسائر المادية الكبيرة طيلة هذه
السنوات اولاً , وثانياً , للأحتفاظ بباقي ادوات قوته كالمؤسسة العسكرية , التي
يستطيع ان يوجه بها الضربة الموجعة للتواجد الامريكي في العراق , كرد أعتبار
يُنهض به المشاعر الوطنية الايرانية , ويعيد تسويق نفسه . والامريكان يدركون
هذا جيداً , ويعملون على افشال مساعي النظام الايراني من تنفيذهذا التخطيط .
ان الافق المظلم الذي ينتظر العراقيين نتيجة غياب مشروعهم الوطني , واشتداد
الصراع بين المشروعين , والسقوط المتوقع لأحد الطرفين , ورغم كل الخسارات التي
لحقت بالعراقيين , والخسارات الكبيرة المتوقعة في هاوية هذا الصدام , يبقى
الامل في لملمة باقي ركامات العراق , وعسى ان يكون درساً لايعيد العراقيون فيه
غلطتهم في انتخاب هذه الشلل مرة أخرى , اذا بقي العراق .