تقي الوزان
بعد فشل الانتفاضة العراقية الجبارة عام 1991
, وعودة الاجهزة الامنية لفرض سيطرتها على
مرافق الحياة, وبصورة أكثر دموية كوسيلة لنشر
الرعب وجعله احد مقومات الحياة اليومية , وفي
ظل هذا الجو نشرت الاجهزة الامنية دعاية تؤكد
ضلوع فيروز بأعمال العنف التي ارتكبها (
الغوغاء ) , وساهم مساهمة كبيرة في معالجة
اغلب الجرحى والمصابين واعادتهم الى ساحة
المواجهة .
ورغم ان مدينة الكوت لم تسقط بالكامل في ايدي
المنتفضين , حيث تمكنت الاجهزة الصدامية في
المدينة من لم صفوفها بعد ان فقدت سيطرتها
لبعض الوقت , وذلك لقربها من بغداد ووصول
الامدادات السريعة اولاً , وثانياً وهو الاهم
رؤية المصير الاسود لمنتسبيها في باقي محافظات
الجنوب امام الاعمال الفردية غير المنظمة
للمنتفضين , وامام الاسلحة الفتاكة للاجهزة
البعثية كان سلاح المنتفضين الرئيسي هو الحقد
على جلاوزة النظام وانتزاع كرامة الشعب
المهدورة .
فيروز من احدى العوائل الفيلية في الكوت , وحالها حال الفيلية الآخرين ايام النظام السابق , فقد جردوا من اوراقهم الرسمية العراقية , وقذف بأغلبهم الى الحدود الايرانية خاصة عندما شن صدام الحرب على ايران . فيروز كان من العشرة الاوائل على العراق في امتحانات الاعدادية , وحرم من القبول في الكلية الطبية التي كان يعشقها . ولكنه لم ييأس , وقدم التماساً الى احمد حسن البكر رئيس الجمهورية في وقتها , عسى ان يساعده في تجاوز ورقة شهادة الجنسية – السيف المسلط على الفيليين – . وفعلاً استجاب لطلبه رئيس الجمهورية وتم قبوله , وظل فيروز طيلة حياته يذكر هذا الجميل لاحمد حسن البكر رغم ما اذاقه البعث لهم من تنكيل وتهجير .
اكمل فيروز دراسته بتفوق , وواصل طريقه بنجاح حتى حصوله على التخصص ( الدكتوراه ) في الجراحة . كان موضع اعتزاز اهل الكوت , ولا يتردد في تقديم المساعدة لأي كان بعيدا عن روح الاستئثار التي ارادها له (الرفاق) البعثيون لحصر خدماته بهم , حيث كانوا يذكرونه دائماً كونه فيلي وفضل السيد الرئيس عليه . لقد جسد انسانية مهنته ببساطة قل نظيرها , كان يستفز المسؤولين البعثيين كونه لايأخذ اجور من الفقراء , بل ويساعدهم في شراء الادوية وتوفير المفقود منها , ونتيجة اخلاقه هذه اتهمه بعضهم بالشيوعية . كان لايعير اهتماما لكل تهديداتهم التي ارادت ان تحد من انسانيته , ويؤكد لهم دائماً : لافرق بين مسؤول حزبي وانسان فقير عندما يكون امام مسؤوليته الطبية , ويذكرهم بالقسم الطبي عند التخرج بأنه يستخدم كل معارفه الطبية في مساعدة الآخرين .
شعر بعض مسؤولي فرع البعث في المدينة بالاهانة بعد ان تأخرعليهم فيروز لنصف ساعة مع مريضين في المستشفى , حيث استدعوه الى مقر الفرع للاستفسار منه عن بعض الحالات المرضية . لم يتحملوا ( هذه الاهانة ) فقرروا التخلص منه بأقرب فرصة , وبسرعة جاءت فرصتهم بالاجتياح المجنون للكويت , واول من بعثوا به للمعايشة مع القطعات الدكتور الجراح فيروز .
مع بداية تحرير الكويت وانهيار الجيش الصدامي
, تمكن فيروز من العودة الى الكوت . ليجد نفسه
في آتون الانتفاضة الجبارة وامام مسؤوليات
مهنية كبيرة , فقد كثر الجرحى والمصابين .
وبأدوات جراحية بسيطة وغرفة في بيتهم المتواضع
اجرى الكثير من العمليات الجراحية وانقذ حياة
الكثيرين . وقد يتصور البعض ان عملياته اجراها
للثوار فقط , كان يستقبل جرحى الطرفين من
الثوار وافراد السلطة ايضاً من الاجهزة
الامنية والبعثيين , وكان احد هؤلاء البعثيين
عضو شعبة في الحزب وهو نفسه الذي اقتاده الى
دائرة الامن بعد فشل الانتفاضة في مثل هذه
الايام من عام 1991 ليغيب بعدها فيروز , ولم
يعرف مصيره لحد الآن .