تقي الوزان
يتفق الكثير من العراقيين والعرب والاوربيين على ان الامريكان
سلموا العراق لقمة سائغة الى الايرانيين . والذي يزيد من هذا الاعتقاد
الممارسات والسلوكيات المشينة التي تقوم بها بعض الاحزاب والمنظمات الشيعية
الموالية للحكومة الايرانية . والتي وصلت الى ان الفرد العراقي لايستطيع ان
ينتقد ممارسات النظام الايراني الطائفية علناً وفي قلب بغداد مدينة الصدر . او
تطالعك لافتات الترحيب عند مداخل المحافظات والمدن في الوسط والجنوب بأسم
المنظمات مثل "منظمة بدر ترحب بكم "وليس بأسم البلديات او الاهالي وقسم منها
باللغة الفارسية . لقد كتب الكثير عن التدخل السافر لهذه المنظمات والمليشيات
في شؤون الادارات الحكومية والمؤسسات العلمية والادبية وحياة الناس الشخصية ,
وهو أكثر شدة وقساوة من ما يفرضه نظام الملالي في ايران .
مع تطور هذه الحالة التي اصبحت نظام يحكم مدن الوسط والجنوب , وتدهور الوضع
الامني , وزيادة معدلات الاغتيال , والتي جاء قسم منها كرد فعل على الجرائم
الدموية من قبل بقايا القتلة من البعثيين ومن يساندهم من التكفيريين السنة .
وقسم آخر انتقاماً من طيارين وعسكريين شاركوا بالحرب العراقية الايرانية . هذه
التداعيات خلقت حالة من القلق والخوف من الانزلاق الى حرب اهلية تقسم العراق ,
وتنعكس آثارها الكارثية على مجمل أوضاع المنطقة النفطية الحساسة. لقد دفعت هذه
الحالة الكثيرين للاعلان عن مخاوفهم . وكانت تصريحات وزير الخارجية السعودي
بداية الانطلاق لحملة مضادة تهدف لوقف أنزلاق العراق للحضن الايراني , وتجعل
ايران اكبر قوة نفطية تهدد المصالح الغربية والاقليمية , أضافة لمشروعها النووي
المكمل لهذه الطموحات .
الامريكان أعتبروا الطائفية التي ساعدوا على تثبيت مفاهيمها وممارساتها , على
انها العصا السحرية التي سيضبطون من خلالها ايقاع الحياة السياسية, طالما تكون
هذه الطوائف بحاجة اليهم أسوة بباقي المجتمعات . ولكنهم لم يقدروا سعة الاختراق
المذهبي والسياسي الايراني للعراق . من هنا جاء التحرك الامريكي ومعه الانظمة
العربية وجامعتهم العتيدة وأمينها العام لعقد مؤتمر "الوفاق الوطني" العراقي في
القاهرة في شهر تشرين الثاني من العام الماضي . وتم الاتفاق على عقد المؤتمر
التأسيسي في بغداد نهاية شباط المقبل او بداية آذار , وبمشاركة جميع الاطراف .
كان من المؤمل أن تجري الانتخابات الثانية بمبدء تكافؤ الفرص , وروح ديمقراطية
حقيقية . وقد تأمن مشاركة أغلب الاطراف السنية المقاطعة للانتخابات الاولى .
وكان من المؤمل أيضاً أن يجري الحوار بين مختلف الطوائف لحل الاشكالات الوطنية
تحت قبة البرلمان . وتتم االاستعاضة عن المؤتمر المزمع عقده في شباط او بداية
آذار , ويتم عزل القوى التي قاطعت الانتخابات الحالية والقوى المتحالفة معها من
القتلة البعثيين والتكفيريين وحصرهم في الزاوية التي سيبادون فيها . الا أن ما
رافق الانتخابات من ظروف سلبية , وتزوير , أثر على نتائجها ودفع الامم المتحدة
للقيام بتدقيق يؤخر الاعلان عن نتائجها النهائية , ويؤخر ألتئام جلسات البرلمان
وتشكيل الحكومة الجديدة . مما يجعل عقد المؤتمر التأسيسي في شباط او آذار شئ
لابد منه . وهذا ما سيمنح هذه القوى دفعة جديدة للتشبث بمواقفها .
من جانب آخر أن الاحزاب الطائفية السنية ومن يقف خلف بعضها من القتلة البعثيين
أخذت تميل للتسميات الوطنية . ليس حباً بالوطنية التي أغتالها المجرم القابع في
قفص الاتهام , ومن سانده , ويدافع عنه اليوم . بل وجدت ان الاستمرار بتعميق
الطائفية سيجعلها أقلية ويجرجرها الى مواقع لم تعتاد عليها .
الامريكان يعتقدون ان قيادة القاطرة العراقية من خلال الماكنة " السلطة " التي
بأيديهم هي الاهم في حل مشاكل العراق. وهي التي ستوصل مجموع العربات "الشيعية ,
السنية , الكردية , الوطنية , باقي خليط الراكبين في العربات الاخرى" الى
المحطات القادمة التي يبغيها السائق الامريكي . وسوف لن يقف في كل المحطات , بل
في المدن التي أنشأها ويعرف طرقها وأماكن راحته فيها , المحطات المنظمة بقيم
الرأسمالية والتجارة الحرّة , والوطن المقدس هو ما يوفر الغذاء والسكن فقط .
ولن يقف في محطات القيم الدينية والقومية والتراث ونسيج العلاقات الاجتماعية
والوطنية والسيادة وكل القيم الخاصة التي تميز الشعوب عن بعضها . انه الدين
الجديد والقومية الجديدة والوطن الجديد , المال , هذا الرب الجديد الذي يقود
الحضارة الحديثة . ومما ساعد الامريكان في ترسيخ نظرتهم هذه هو وجود المجتمع
المهشم , والخارج لتوه من جحيم الفاشية التي انستهم كل شئ ولعقود طويلة .
الجوع والذل والحاجة للمال , المال الذي تسعى السياسة الامريكية ان يكون هو
العامل الوحيد الموجه للحياة العراقية . لقد أستخدمت السياسة الامريكية في
العراق كل الوسائل لغرض تنمية طبقة رأسمالية تكون هي القاعدة التي يرتكز عليها
النظام الجديد . أن غض النظر عن السرقات والرشاوي والفساد الاداري وأكمال مرحلة
" الحواسم " التي بدأت عند اول يوم سقوط النظام أحد أوجه هذه السياسة . والدعوة
لعقد مؤتمر المصالحة الوطنية العراقية , والحرص على نجاحه هو لأدخال اللصوص
والقتلة من البعثيين الذين صادروا أموال العراق ودمجهم في العملية الاقتصادية
السياسية . النجاح بالنسبة للامريكان هو في كيفية وضع العراق في السكة
الرأسمالية الامريكية . وليست عندهم مشكلة لما حدث في العراق من آلام ومآسي ,
وايجاد الطرق الصحيحة والحقيقية لمعالجة جراحاته العميقة . لذا نجد مراقب فحص
التذاكر " التيتي " الامريكي زلماي خليلزاده في حركة دائبة بين كل عربات القطار
لغرض التأكد من قطع التذاكر الامريكية . وبغض النظر عن كون صاحب التذكرة مناضل
شريف أفنى سنوات عمره في مقارعة النظام الساقط , أو مجرم بعثي ولغ في الدم
العراقي , وحالياً للاخير الافضلية . ومن هذه النقطة ، على العراقيين الشرفاء
من كل المذاهب والقوميات التقارب على اسس وطنية حقيقية تجعل من التنوع العراقي
الاساس البديل لما تبغيه سلطات الاحتلال من تأسيس أساسات طائفية وقومية تسهل
لها الادارة , بعد أن تجعل كل طائفة تغني على ليلاها . وأنهاء الاساس الذي يبغي
توحيد الطبقة الغنية من كل الاتجاهات , وبدون معالجة الجراح الفاغرة والمعرضة
للنهايات القاتلة .