تقي الوزان
أكثر من ثلاث سنوات مليئة بالدم والعذاب حتى تمكن العراقيون من
تشكيل حكومتهم الدائمة . فرغم كل السلبيات والنواقص , والجرائم التي أرتكبت من
بعض فصائل الحركة السياسية العراقية مثلما حدث من حرق مقرات أحزاب , وأغتيالات
لأشخاص من أطراف أخرى تنافس في الأنتخابات فقط , وليس لسبب آخر . يبقى أنجاز
تشكيل الحكومة الدائمة هو الهدف المنشود التي سعت اليه الأطراف السياسية
العراقية , بدءاً بتفاعلها الإيجابي مع قوات التحالف التي أسقطت النظام ألمقبور
, ومروراً بتشكيل مجلس الحكم ووزارته ثم وزارة أياد علاوي المؤقتة , وأجراء
الأننتخابات الأولى وتشكيل وزارة أبراهيم ألجعفري الأنتقالية , والتصويت على
الدستور وأجراء الأنتخابات الثانية التي أرست تشكيل الحكومة الدائمة .
كان العراقيون في العهد المقبور يعانون من عدم وجود أي حزب أو تنظيم سياسي آخر
غير البعث , الذي صادر كل شئ , وصبغ حياتهم باللون الواحد لخمسٍ وثلاثين عاماً
. وفجأة وجدوا أنفسهم أمام سيل جارف من الأحزاب والتنظيمات السياسية التي تدعي
تمثيل كل شئ . وهم لايزالون في صدمة التغيير , وغير مصدقين ان صدام والبعث
ذهبوا بدون رجعة . كان التوجس والخوف سيد ألتوجه , وطافوا على مياه كثيرة ,
تراوحت بين مياه العيون العذبة ألنقية , وبين مياه تفاوتت ملوحتها , وعدم
نظافتها . وأخرى ثقيلة سوداء داكنة .
كان لفقدان ألأمن , وتوقف العجلة الأقتصادية , وأنهيار مؤسسات الدولة , وفقدان
الأساسات الحقيقية لمجموعة القيم والمثل المتوارثة , والفراغ الذي تركه النظام
الدموي ألمقبور , وتحالف بقاياه مع التكفيريين السنة وأرتكاب أبشع الجرائم ,
وأستغلال بعض الأحزاب الدينية لنفوذ مرجعياتها . أضافة لأفرازات سلطات الأحتلال
, والصراع الدائر بين الأمريكان من جهة وايران وسورية من جهة أخرى بحجة مكافحة
الأرهاب . كل هذه العوامل تضافرت لتشكل الوعي المتعثر لهذا الشعب المنكوب , فلم
يتمكن من تحديد أولويات البرامج السياسية التي تمكنه من النهوض مرتاً أخرى ,
وتعود به لمسار الحياة الأعتيادية . أن الصراع الدموي الطائفي الحالي , والقتل
على الهوية , هو النتيجة الطبيعية المتوقعة للأختيارات المشوهة والخاطئة التي
أجبرت هذه الجماهير على أتخاذها .
يقول الشيخ ميثاق البطاط من مكتب الصدر في البصرة تعقيباً على الأحداث الدموية
في البصرة في هذه الأيام , والمنشور في صحيفة "الحياة" يوم الأثنين20060522 "
عصابة البطة الأجرامية تعمل تحت ستار مرجعية دينية أو سياسية أو حزبية . وعلى
هذه الجهات أن تعلن موقفها من الظاهرة مثلما علينا أن نعرف ويعرف الشعب من يقوم
بهذه الأعمال " وتابع "ما دامت كل الأبواب التي نطرقها مقفلة في وجوهنا . علينا
تشكيل لجنة والذهاب الى المرجعية الدينية لمعرفة رأيها في ألأمر . . لو أتيح
للناس أنتخاب ممثليهم من دون تدخل المرجعيات الدينية أو السياسية لكان الأمر
مختلفاً الآن".
اليوم وصلنا الى حكومة " وحدة وطنية " بعد أن دفعنا الكثير من الدماء والأموال
والزمن المفقود . ومثلما يقول البعض من أبناء شعبنا بألم : أن أيام النظام
الفاشي المقبور كانت أفضل من دموية الأيام التي نعيشها الآن . نقول وبألم أيضاً
: لولا سلطات الأحتلال لما توصلنا الى هذه الحكومة , ولما حافظنا لحد الآن على
وحدة العراق " ربما يكون في أجندة الأحتلال أمور معاكسة أخرى تظهر مستقبلاً" .
أن حكومتنا الشرعية المنتخبة , والمحمية من قبل قوات الأحتلال . ليس مثل باقي
الحكومات , فهي محملة بكل تركت النظام الفاشي المقبور , وما تبعه من سلبيات
الحكومات التي قبلها , وما تفرضه سلطات الأحتلال من توجهات ستحد كثيراً من
فاعلية الحكومة . الحكومة العراقية بحاجة جدية لدعم حقيقي من كل الأطراف
المشتركة بالعملية السياسية لكي تستطيع الوقوف على قدميها لتحمي نفسها , وتحقق
الأمن وباقي أهداف برنامجها المعلن .
من الملفت للنظر أن جميع الأحزاب العراقية خاصة الأحزاب التي ناضلت ضد النظام
المقبور . أستمرت في العمل ببرامجها السياسية السابقة رغم مرور أكثر من ثلاث
سنوات على سقوط النظام . وعدا الأجتماع الوطني "الكونفرنس"الحزبي العام الذي
أقامه الحزب الشيوعي لدراسة الوضع العراقي الجديد قبل اكثر من سنة . لم يقم أي
حزب آخر بأي نشاط على مستوى أجتماع أو مؤتمر وطني لدراسة وضع العراق بعد سقوط
النظام . الى أن جاء أعلان "المجلس الأعلى للثورة الأسلامية " برئاسة السيد عبد
العزيز الحكيم قبل أيام عن نية المجلس بعقد مؤتمر وطني يتم خلاله تغيير أسم
المجلس , وتوسيع قيادته, ودراسة وضع العراق . وفي الوقت الذي نبارك فيه للمجلس
هذا التوجه , نرى من الضروري أن تعقد جميع الأحزاب مؤتمراتها الوطنية لدراسة
الأوضاع المستجدة على الساحة العراقية والعربية والدولية . والتغيير من اتجاهات
برامجها السياسية القديمة الموضوعة قبل سقوط النظام . وبما يخدم المرحلة
الحالية , وأستلهام روحية الدستور في بناء العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد
, وتثبيت مبدء أحترام كل الحقوق السياسية والأنسانية لأبناء العراق الواحد كما
جاء في الدستور .
لاشك أن أقامة الأحزاب لمؤتمراتها الوطنية , وبالشفافية المرجوة , وبمشاركة
باقي الأطراف كضيوف في هذه الفعاليات ستخلق حالة من الثقة التي أفتقدناها نتيجة
الصراعات الغير مبدئية , والتي كادت ان تفتك بوحدة العراق . أضافة لتحديد
أتجاهات الكتل السياسية في أعادة بناء الوطن . وما يتبعها من ثبات الأرضية التي
يتحرك عليها أبناء التنظيم الواحد .
أن أمام القوى السياسية العراقية فرصة حقيقية أخرى لأعادة بناء وحدة العراق .
ومن خلال دعم برنامج حكومة "الوحدة الوطنية " والتي تشترك فيها أغلب الأطراف
المنضوية تحت خيمة العملية السياسية . وتقلع بالكامل عن روحية التوجس والتآمر
والأستحواذ التي زرعها النظام المقبور .