تقي الوزان
جرت الانتخابات وكنا نظن بأننا سنودع المرحله الانتقاليه . الا ان ما شاب هذه
الانتخابات من تزوير , ومصادرة اصوات , وترهيب , وحرق مقرات احزاب , واغتيال
مرشحين ونشطاء. أحدث هزه كادت ان تطيح بكامل العمليه السياسيه .
جاء وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد وطرح افكار امريكيه بشأن هذه المشكله ,
ومستقبل العراق . ومن هذه الافكار ان تكون الحكومه العراقيه القادمه قويه ,
تحكم العراق من بغداد وتفرض سيطرتها على باقي الاطراف , ولكي تكون الحكومه قويه
فيجب ان تشارك فيها كل الاطراف . وتتصدى لمحاربة الفساد , وحل الميليشيات . هذه
الافكار جاءت بالتزامن مع تصريحات السفير الامريكي زلماي خليلزاده , والقاضيه
بضرورة ان تكون وزارة الداخليه والدفاع لأشخاص ليست عليهم صبغه طائفيه . بأشاره
لوزير الداخليه السيد بيان جبر , وما اكتشف من حالات تعذيب في سجون سريه تابعه
لوزارة الداخليه .
بعدها جاءت مبادرة السيد رئيس الجمهوريه جلال الطالباني بدعوة كل الاحزاب
للتحاور , وأحتواء الازمه الناتجه عن الانتخابات , وتشكيل حكومة وحده وطنيه
كطريق واقعي لتجاوز الاثار السلبيه للعمليه الانتخابيه , والنهوض بالعراق
لمرحلة الثبات . وتزامنت هذه الدعوه مع زيارة السيد عبد العزيز الحكيم رئيس
قائمة" الائتلاف "الفائزالاكبر في الانتخابات الى السيد علي السيستاني في النجف
. صرح السيد الحكيم بعدها , بأن السيد السيستاني يؤيد تشكيل حكومة وحده وطنيه .
أضافة لصدور تصريحات لممثلي القوائم الفائزه الاخرى بتأييد تشكيل حكومة وحده
وطنيه .
تحت هذا التوافق الظاهري في التصريحات يكمن صراع دولي وأقليمي وطائفي كما اشار
الكثير من المراقبين . فقائمة "الائتلاف" تبغي تشكيل حكومة توافق وطني منها ومن
الاكراد والسنه . وأستبعاد قائمة" العراقيه الوطنيه" بقيادة الدكتور اياد علاوي
بأي ثمن . وكان هذا واضحاً من خلال تصريحات بعض رجال قائمة "الائتلاف". وما جرى
في الايام التي سبقت الانتخابات , وما رافق الانتخابات من سلبيات أصبحت معروفه
لكل العراقيين والمراقبين . ويعود هذا الى ان القائمه"العراقيه الوطنيه" تعتبر
المنافس الجدي الوحيد ل"الائتلاف" في الوسط والجنوب من ناحية الصوت الانتخابي .
ومن ناحية اهم البرنامج السياسي العلماني الذي هو بالضد من التوجهات الطائفيه ,
والساعي لفصل الدين عن السياسه . وتعتقد بعض اطراف قائمة "الائتلاف" ان ابعاد
علاوي وقائمته هو ابعاد للنفوذ الامريكي وهزيمة له . وهذا ماتريده الحكومه
الايرانيه .
قائمة "الائتلاف" بمجموع تشكيلاتها أعرف بأحتياجات العراق لو تركت وحدها لتحديد
الاولويات , وبدون تأثيرات خارجيه على بعض اجنحتها المتنفذه . وهذا أخطر ما
يواجه سلامة وحدة القائمه . ولو بقيت العلاقه بين "الائتلاف" والامريكان فقط ,
فلا وجود لتعارض يضر بسلامة العراق . وما يؤكد ذلك موافقة السيد ابراهيم
الجعفري على التمديد للقوات الامريكيه حتى بدون الرجوع الى الجمعيه الوطنيه .
زيارة السيد عبد العزيز الحكيم الى كردستان لأستطلاع الرأي . وكلمته في
البرلمان الكردي . وتحمسه لأنجاز مشكلة كركوك خلال عام 2006 يشي بهذا التوجه
المشار اليه . أذاً , لماذا تم التأخير طيلة هذا العام ؟! وعدم صرف المخصصات
الماليه للجنة كركوك لتباشر عملها , رغم اقرارها بموازنة عام 2005 من قبل
الجمعيه الوطنيه . الاكراد من جانبهم أشتكوا أكثر من مرّه من تحالفهم مع
"الائتلاف" خلال الفتره الماضيه , وخاصة بمسألة كركوك . والاكراد ليست لديهم
ارتباطات بمشاريع اقليميه , واوفياء لمن منحهم الحمايه من النظام المقبور منذ
عام 1991 , وأزاحة طغمة صدام بعدها . والأهم ان مصلحة الاكراد الستراتيجيه
بالتحالف مع القوى العلمانيه والديمقراطيه لتثبيت الهيكل الفيدرالي للعراق على
اسس قوميه وديمقراطيه حقيقيه . بدون هاجس العوده عن الاتفاق فيما اذا ثبت هذا
الهيكل على اسس طائفيه تؤدي لتمزيق وحدة العراق . وعندها ستكون الفيدراليه بنظر
شعوب المنطقه السبب الرئيسي في تمزيق وحدة الاوطان .
اما السنه فالموقف سيكون معهم اصعب . ذلك انهم لايمثلون موقف واحد متماسك مثل
الاكراد . ورغم وجود الهشاشه التي سيجدها مفاوض "الائتلاف" عند البعض منهم ,
سيقبل هؤلاء البعض بمجرد عرض بعض الوزارات عليهم . الا ان الصراع الطائفي الذي
ولغ في الدم العراقي ليس مسؤول عنه قسم من الطائفيين السنه , وبقايا البعث
المقبور والتكفيريين القادمين من الخارج. بل بعض من الطائفيين الشيعه ايضاً .
وسيبقى هذا أحد الشروخ الحقيقيه لمرحلة ما بعد صدام . والتي تحتاج الى فترة
أطول , ونيات أسلم لأعادة الثقه المذهبيه .
يتساءل بعض الاخوه من دعاة قائمة"الائتلاف" : مافائدة الانتخابات اذا تم اشراك
الكل في الوزاره ؟! اي ان التشكيل يجب ان يتم من قبل قائمة الاكثريه ومن يتفق
معها في تشكيل النسبه المطلوبه . وكم تمنينا ذلك لو جرت الانتخابات بشكل طبيعي
, ولم ترافقها كل هذه السلبيات التي زادت من التعقيدات التي لايمكن الانفراد
بحلها . ونفس السؤال على لسان الاخرين : ما فائدة الانتخابات ؟! أذ يتم
الالتفاف على نتائجها بطرق اكثر التباساً من طرق التحضير لها . وتجري مصادرة
مبدء تكافؤ الفرص مرتاً أخرى في الجمعية القادمه عبر التلويح لهذا الطرف بوزارة
معينه , ولطرف آخر بحل مسألة كركوك بشكل يوحي بتنازل معين . ويجري الالتفاف على
الحلول الوطنيه التوافقيه لأكبر مشاكل العراق لصالح الحلول الفئويه [ هذا ألي ,
وهذا ألك] . وهذا ما سيجعلنا نعيش مرحلة الانتقال الى ما لا نهايه .
المشكله الاساس التي تحرك كل هذا الحراك في رأي الكثيرين . هو الاصرار غير
المعلن على تحقيق دستور دوله دينيه , وعبر مراحل وهذا ما لاتسمح به الظروف
الدوليه والاقليميه والمحليه .