تقي الوزان
مثلما ظهرت المؤشرات الدالة قبل أجتياح العراق , تظهر اليوم
أغلب هذه المؤشرات على السلوك الأمريكي في طريقة تعامله مع ألملف النووي
اَلإيراني . ومن هذه المؤشرات , تخصيص أكثر من سبعين مليون دولار أمريكي
"معلنة" لدعم الأعلام , والجماعات المناوئة للنظام . كذلك توجيه دعوات الى أغلب
ألنخب السياسية الإيرانية المعارضة لغرض تجميعها , وبلورة مشروع برنامج سياسي
يتولى وضع خطة طريق لتغيير النظام الحالي . ومن الملفت للنظر تحرك منظمة "فدائي
خلق " بهذا الأتجاه , بالرغم من وضعها في قائمة المنظمات الأرهابية من قبل
الأمريكان أنفسهم .
ومن العلامات البارزة ايضاً , دعوة الشباب والمعلمين الإيرانيين في الدول
الغربية للتدريس في الوحدات العسكرية الأمريكية والأنكليزية للمفردات الفارسية
ألأكثر أستعمالاً , وكذلك للعادات والتقاليد ألأجتماعية الإيرانية .
الخطوة الأخيرة ألأوضح بهذا الأتجاه هو إعادة العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا ,
والتطبيع الكامل معها , وخلال ستة أسابيع فقط .
لقد مضت ثلاثة سنوات على النهج الليبي المتراجع , والذي يسميه الأعلام الغربي
ساخراً ب"الطريق الليبي ", الذي أستجاب للمتطلبات الغربية , والأمريكية على وجه
الخصوص . المتمثل بالتراجع عن طموحات التسلح النووي , وعن أسلحة الدمار الشامل
, وتسليم ما تمتلكه ليبيا من معدات وأسلحة غير تقليدية الى الأمريكان .
والألتزام بقطع علاقاتها بالمنظمات "الأرهابية" من وجهة النظر الغربية , وعدم
تقديم أي دعم لها . والأعتراف بحادثة سقوط طائرة الركاب في "لوكربي"وتسليم
المشتبه بهم ومحاكمتهم , أضافة للتعويضات ألمجزية لضحايا الحادث .
كل هذا "الطريق الليبي " الجديد لغرض تجنيب ليبيا وزعيمها القذافي مصير العراق
ومصير صدام حسين . الذي أصبح النموذج الذي تهدد به الولايات المتحدة الأمريكية
كل الزعماء العرب وغيرهم ان هم امتنعوا عن السير في فلكها السياسي . إلاان
الأمريكان لم يكتفو بهذا لغرض اعادة العلاقات الدبلوماسية , فقد كانت لديهم
اجندة خاصة , وطويلة , لها علاقة بحقوق الأنسان , والحريات السياسية , واعادة
الحقوق والأموال التي صادرتها الثورة الليبية من العوائل الهاربة . والطريق
أطول مما أعلن عنه يوم الأثنين الماضي من أعادة العلاقات الدبلوماسية والتطبيع
الكامل .
ان الذي خدم الحكومة الليبية , وأعفاها من سلسلة المطالبات الأمريكية المتبقية
ـ التي لايهم الأمريكان تطبيقها ـ , هو الصراع الدائر بين الأمريكان وإيران حول
مشروعها النووي , والتوجه الأمريكي في تأمين مصادر الطاقة البديلة لنفط الخليج
, والذي سيتأثر ضخه حتماً مع أي تصادم عسكري في المنطقة . سواء ما هددت به
ايران من ضرب وقطع أمدادات نفط الخليج التي تقع تحت مرمى نيرانها , أو بأرتفاع
الأسعار والتأمينات التي تصاحب كل تصعيد عسكري .
ان النفط الليبي يضخ الى البحر الأبيض المتوسط مباشرتاً , وهو من النوعية
الجيدة , والقريبة من مستوى سطح الأرض . ولا توجد أي مشكلة تعيق تدفقه في حالة
نشوب حرب جديدة في الخليج , والذي زاد من سرعة القرار الأمريكي في تطبيع
العلاقات هو فسح المجال لشركات النفط الأمريكية للأسراع بتطوير الحقول , وزيادة
معدلات الأنتاج بأقرب وقت ممكن . والذي سيفسره الأعلام الليبي على انه أحد
أنجازات القذافي الذي أجبر الأمريكان للأسراع بالتطبيع . ولا أحد من الشعب
الليبي يستطيع أن ينكر عظّمة القائد وذكائه .
لقد استفادت ليبيا والعقيد القائد من كارثة العراق , وأعاد حساباته في المصير
الذي ينتظره ان أستمر في تحديه الفارغ .
وتستفيد ليبيا اليوم من الكارثة المحتملة لإيران , فيرفع عنها الحصار الأقتصادي
, وتعود للتواصل مع السوق العالمية بمختلف النشاطات . ورغم الخسارات التي
تحملها الشعب الليبي لأكثر من عشرين عاماً مضت , إلا انه يبقى الطريق الأكثر
سلامة من طرق الأنتحار التي تنتهجها ايران وسورية , ويجنب الشعب الليبي من
كارثة تعصف به وبقائده , وتعيده خمسين عاماً أخرى الى الوراء مثلما حدث في
العراق .