جمعة عبدالله
(موقع الناس)

تتناول هذه المجموعة القصصية , عوالم مختلفة ومتناقضة في نفس الوقت , تسلط الضوء على عوالم العتمة في واقع هش وجاف , تنبت فيه ثعابين الهواجس القلق والاحباط , تصب مجاريها في معاناة الإنسان وحرمانه من تحقيق الأمنيات التي يتطلع اليها , أو التي تلهب في داخل شعور الذات , في واقع غير عادل في معاييره وموازينه , السرد يملك رؤية في المعنى والرمز الدال في مدلولاته , في حكايات ذات إيقاع في مفردات الوجود , التي فقدت بوصلتها , ووضعت الإنسان في مهب الريح , ان يغوص في الفانتازيا الواقع , أو يصارع عوالم كافكا في تهميش الانسان , وجعل حياته هامشية في الخيبة والانهزام , والمجموعة القصصية تدخلنا بمفهود السرد الواسع في تناوله وطرحه , يتجاوز الحكايات التقليدية , تخلق في طياتها ابتكار في صياغة الشكل والمضمون ,تصاحبها رؤية فكرية دالة , تحركها وتسيرها في المعنى والمغزى , والتي تناقش ذهنية القارئ , في التفكير والتأمل , في مسألة في غاية الاهمية , هي محاصرة الانسان في شرنقة ضيقة جداً , وتصبح الامنيات بحكم المستحيل , أو تلعب بها الريح من كل جانب وصوب , رغم ان الحقيبة مليئة بالامنيات والطموحات , وان مفهوم الحقيبة يعني الانسان مهما كان مسحوقاً ومعدماً في شظف العيش لايخلو من الامنيات بالجملة , لكنها تجد جداراً مانعاً لا يسمح بعبورها , يعني روحية الإنسان تعيش على الامل المعلق , رغم انه يغوص في الاحباط الاحباط والخيبة , ويجد نفسه يغوص في العجز والفشل , إزاء متغيرات التي تخلقها الحروب العبثية والإرهاب الشمولي (أن للحيطان أذان) ويمكن ان تكون جريمة يفقد الانسان حياته , اذا اخترق هذه الحواجز , أو أنه بلا شك يضيع في زنازين الموت , هذه المأساة الوجودية , التي تتناولها بعمق هذه النصوص السردية , وهي تتناول مسائل جوهرية في الحياة والوجود , والامنيات لا تجد موضع قدم , في واقع يتاجر في التناقضات الصارخة , لا يمكن للمرء مجاراتها . في واقع فانتازي او كافكاوي , يتناول الكاتب في صدق إحساسه دون مجاملة , في هذه العناوين أو الأشياء في حياة الإنسان , أو في قطار العمر في السيرة الذاتية , للذين رحلوا , وظلوا أحياء في عقولنا وقلوبنا .الى الذين اخذوا قلوبنا وتركوا فينا الشوق والذكريات . كما جاء في الإهداء . يعني نحن في حكايات واقعية في واقع فنتازي , يختلط فيه الخيال والواقع , الوعي واللاوعي , البراعة في السرد هي تلقائية المنسابة المتدفقة , ولغتها الشفافة والسلسة , بحيث تجعل القارئ يعيد قراءتها مرات ومرات دون أن يشعر بالملل , بل يشعر بتعاطف الشديد , وحزن ووجع لهذه الشخوص المسحوقة من الأرض والسماء , تتوجع في ألم من الاخفاقات في تحقيق الأمنيات , التي دخلت في شرنقة المستحيل , بل تغرق في بحر الحياة الهائج و المتلاطم حتى تتفتت , في وطن تحول الى صحراء تذر فيه الرمال , و تربته غير صالحة للأمنيات … نوجز بعض أبعاد الرموز الدالة في بعض النصوص القصصية, رغم أن المجموعة القصصية , احتوت على 45 نصاً سردياً على صفحات 199 صفحة . وكل نص يحمل دلالات رمزية عميقة :
1 – نص : حقيبة
الامنيات .
الذي يحمل عنوان المجموعة القصصية
. يدل أنه لايمكن تحقيق الأمنيات في أرض صحراء
قاحلة ارضها رملية لا ينبت فيها عشب الامنيات
, بل هي في حكم المستحيل , رغم انها حقيبة
يعني عدد غير محدود من الأمنيات , لكنها تبقى
مغلقة في واقع هش , وحياة هامشية لحياة
المسحوقين . منسيون من الأرض والسماء رغم
كدحهم ومعاناتهم القاسية , مثل هذا الرجل
الخمسيني البائس والمحروم (سعيد) هذا التناقض
الصارخ بين اسمه وحياته الشقية والجافة التي
يتجرع سقمها كل يوم , يسكن في غرفة في فندق
قديم متهالك , لا تدخله الشمس , إلا من خلال
ثقوب شباك النافذة , يعاني لقمة العيش المر ,
فقد قدمه اليمنى جراء انفجار لغم في حروب
الوطن العبثية , يحمل حقيبة الأمنيات أينما
ذهب , يعاقر الخمرة ليواسي معاناته القاسية ,
وعندما فقدت الحقيبة , شعر أن حياته انتهت ,
ولم يعد له قيمة وجودية , فأنهى حياته
بالانتحار , يعني الانسان بلا أمنيات موت بطيء
وفعلي .
2- نص : حارس
الأرواح المنسية .
وطئت قدميه في أرض الغربة , رجل
خمسيني حمل العراق معه بالذكريات والصور
الحياتية العالقة في ذهنه , يعتمد في حياته
على راتب الرعاية الاجتماعية , ولكن طلب منه
أن يعمل في المقبرة في صيانة قبور الموتى لكنه
اصطدم بالمفاجأة بأن بعض القبور تحمل أسماء
موتى عراقيون ومنهم صديقه العزيز ابن محلته ,
فعمل على صيانة هذه القبور ووضع الزهور حولها
وتنظيفها , كأنه واجب اخلاقي تجاه أبناء الوطن
المغتربين , وسمي حارس الارواح المنسية حتى
موته .
3 – نص : هدايا
انطفأت الأنوار وخففت ضوء الشموع ,
وغادر المدعوين الى الاحتفال بعيد الميلاد ,
وتركوا بقاياهم مكدسة في الصالة , بقايا
الطعام والحلوى والمعجنات , والصحون , شعر
بالتعب واخذ غفوة من النوم , تراءى له ضوء
ينبثق من خلف ستارة النافذة , وكانت المفاجأة
, راى وجه ابيه مبتسماً يتوجه اليه وهو يقدم
ساعته اليدوية ويقول له (هذه هديتي لك) وبعدها
تتقدم امه وهي تنزع من قلادتها ذات ثماني عشرة
ليرة ذهبية , وتقدم له ليرة ذهبية واحدة وتقول
له (هذه هديتي لك) يعني الذين رحلوا وأحدثوا
شرحاً من الشوق والحنان في القلب , يظلون
حاضرون في كل مناسبة .
4 – نص : غربة أخرى
.
وهي ترمز الى الذين قدموا عصارة
جهدهم للوطن ورحلوا , ولكنهم وكرموا في اقامة
نصب تذكاري لهم , ومنهم الشاعر (بدر شاكر
السياب) لينزل من تمثاله ليتفقد أحوال الوطن
والبصرة والناس بعد غيابه الطويل , ويأخذ
سيارة تاكسي ويتجول في مدينته البصرة , يصطدم
كأنه في مدينة غريبة عنه , ومكان غريب لم
يألفه في حياته السابقة , ويتساءل أين البصرة
والعشار والشناشيل ؟ لماذا تمتلئ الشوارع
والطرقات , باللافتات السوداء وصور الشهداء
المعلقة في كل زاوية , اين استشهدوا ؟ ولماذا
هذه الأعلام الملونة الكثيرة , اين علم العراق
؟, ولماذا هذه البنايات الإسمنتية , أين
النخيل , ولماذا ولماذا ولماذا ؟؟؟؟ يشعر
بالحزن والجزع من الأهوال التي شاهدها , وما
آلت إليها البصرة والعراق , ويعطي للسائق
السيارة ورقة فيها ابيات شعرية بدلاً عن
الأجرة . يقول فيها :
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده ؟
إن خان معنى ان يكون
فكيف يمكن أن يكون ؟
الشمس اجمل في بلادي من سواها , والظلام
حتى الظلام هناك أجمل
فهو يحتضن العراق .
5 – نص : اكتشاف
منذ فترة ليست بالقليلة , لكنه لم
يعرف مدتها بالضبط , عندما يقوم من نومه في كل
صباح , يشعر أن بعض اغراض البيت البسيطة
ورخيصة الثمن تختفي , ولكن بمرور الايام اخذت
اغراض البيت تختفي اكثر , حتى وصل الأمر
بالأشياء الثمينة وباهظة الثمن , بدأ الخوف
والهلع يدخل قلبه وهواجسه , حتى وصلت الامور ,
بأن غرفة النوم سرقت او اختفت بالكامل , حتى
زوجته اختفت , وكانت نائمة في نفس السرير معه
, وتناهى اليه صوت زوجته تدعوه إلى الاقتراب
منها , وحين اقترب واشارت الى اطار الصورة
القديمة , وحين تطلع فيها , وجد فيها فراغاً
سحيقة ليس لها نهاية !! يعني السرقة تبدأ
بأشياء صغيرة لا تثير الانتباه , أو لم نعير
لها اهمية حتى تكبر حتى تنهب البيوت والاوطان
.
6 – نص : فم مغلق .
تعود ان يبتعد عن جميع الناس ,
وينزوي في عزلة تامة عن الكل , ان يعيش وحده
لا يتكلم قط , مهما كانت الاسباب , يلوذ
بالصمت والسكوت التام , مسترشداً بتعاليم
والديه : (-اسكت … كلامك ليس هذا وقته) او
(اسكت كلامك ليس محله …….. اسكت لا تتكلم
حتى لا يأخذك زوار الفجر يأخذوننا معك …….
أسكت إن للحيطان آذان …… اسكت … اسكت) ,
حتى الرعب والخوف دخل قلبه وعقله, ويلوذ
بالصمت كأنه اخرس , ولكن بعد سنوات وجدوا اسمه
في سجلات احدى الدوائر الامنية . هذا يدل عن
حجم إرهاب الدولة .
7 – نص : قادم
الأيام
منذ طفولته وهو يرى أمه تبكي على
كل شيء الصغيرة والكبيرة , كأنها رضعت من
البكاء والدموع , منذ طفولتها وكبرت معها
بالحزن والدموع , ومثل الامهات المتشحات
بالثياب السوداء ,ولا تبدلها مهما كأن الزمن ,
وحين سألها مرة عن سبب هذا البكاء الدائم في
تساقط الدموع , قالت له بحزن (- اخاف عليك
وعلى اخوتك في قادم الايام) لم يفهم معنى
عبارتها, ولكن زاد بكائها وحزنها اكثر , عندما
زادت النعوش القرابين للوطن , وادرك معنى
الحزن والدموع , حين جلبوا جثمان شقيقه
ملفوفاً بالعلم العراقي ذو النجمات الثلاث,
عرف لماذا تخاف أمه عليهم في قادم الأيام ,
هذا الحزن العراقي نتيجة ويلات الحروب التي لم
تتوقف في تاريخ العراق منذ الازل .
8 – نص : الصوت .
وقع في حيرة عويصة , واخذت تنتابه
الوساوس الخطيرة , بظنونه بأنه يشك بزوجته ,
انها تخونه وان اولاده الاربع ليس منه , نتيجة
الفحص والتحليل , بأنه مريض لا يمكن أن ينجب
اطفال , وبدفع من أهله , بان يقدم على قتلها
بدون تردد , لانها تخونه , وان شرفه ملطخ
بالعار له والى عائلته , ويدفعونه ان يغسل
العار بدمها (أقتلها … أقتلها .. سوف لا
يلومك أحد , الكل يعلم بخيانتها إلا أنت) وذهب
الى المستشفى مرة اخرى , حتى يتأكد من نتيجة
الفحص والتحليل لتكون حجة رسمية في يدييه حين
يشرع بقتلها , وعندما وصل الى المستشفى اخبره
الموظف المختص , بأنه أخذ نتيجة فحص وتحليل
شخص آخر خطأ , نتيجة تشابه الأسماء , وأعطاه
نتيجة الفحص والتحليل , بأنه سليم ليس لديه
مرض . يعني في التسرع ندامة .