جمعة عبدالله
(موقع الناس)

هذه النصوص القصصية اعتبرها مختلفة عن المعتاد والسائد التقليدي , تدخلنا في حوارات وتساؤلات في الصياغة الفنية , وتركيبة الحبكة السردية , بمعنى انها جدلية في عدة مقومات , في الصياغة الفنية , وبناء الرؤية التعبيرية والفكرية , في المعنى والمغزى والرمز الدال , الذي يشع في الجوهر والمضمون الدال , رغم انها واقعية الاتجاه ومن قلب الواقع المعيشي للشرائح الاجتماعية الفقيرة , التي تكافح بعناد واصرار في الصراع الحياتي , لكن تجد نفسها غارقة في المعاناة والظلم والحرمان , لم تستسلم بل تظل تكافح بعرق جبينها بالمكابرة والكبرياء , رغم الاحباط والخذلان , الذي يصيبها ,لتجد نفسها في موقع صعب , في نيل الطموح في معمعة الصراع الحياتي , وابطالها اناس بسطاء يملكون الكرامة ولا يتخلون عنها , مهما كانت صخرة سيزيف على اكتافهم , أنسانيون بحق , هذا جوهر الرؤية الفكرية ورمزيتها الدالة , شرائح انسانية اكثر من الشرائح الاجتماعية اخرى , مكافحون بلا كلل , رغم غصة الالم والوجع في دهاليز الحياة الصعبة والمعقدة , وتحاول ان تخلق البسمة من بئر الاحزان , لانها تملك احاسيس انسانية في طيبتها الشعبية .
يشعر القارئ
بتعاطف شديد ومؤثر تجاه هذه الشخصيات في
النصوص القصصية , واعتقد هذا ما يسعى اليه
الاستاذ (جمال الهنداوي) وهو يسلط الضوء
الكاشف عليها , ويدخل في عمق المشاعر الداخلية
, وهو يقدم نماذج حية من الواقع المجتمع ,
التي تملك الكثير من حكايات المعاناة , شخصيات
تحاول جاهدة ان تجد مكاناً تحت الشمس في
قلوبهم النظيفة , في تعاملهم الصريح بدون
مراوغة , ومن هذا المنطلق الفكري , ينبغي
تقديمهم بشكل مختلف , وهنا تكمن قدرة وبراعة
الاستاذ (جمال الهنداوي) في تقديمهم بشكل
مختلف , في بناء القصة , التي تعتمد على اسس
ثلاثة : البداية . العقدة او الصراع . النهاية
او الحل . نجد في هذه المجموعة القصصية , تبدأ
بالصراع وتنتهي بالصراع الدراماتيكي , أما
النهاية أوالحل , فإنه معدوم وغائب , يترك
النصوص بدون نهايات أو حلول , يتوخى الكاتب من
ذلك ضرب عصفورين بحجر واحد , الناحية الأولى .
ان يترك النهايات لتأويل القارئ ومدى شغفه
وتفهمه لهذه النماذج الشعبية المكافحة , في
صراعها مع الحياة والزمن , رغم الانكسار
الحياتي , والناحية الثانية . ان يتركها عائمة
في بحر الحياة لا حول ولا قوة لها , لأنها تجد
نفسها غارقة بصعوبة العوم الى شاطئ السلامة ,
كأن الزمن يعمل ضدها بكل قوة . رغم انها غارقة
في ازمة الصراع , تظل مكابرة بكرامتها
وإنسانيتها الطيبة , او مثل ما يقول المثل
الشعبي (تحمل قنبورتها وتمشي) . …. لنسلط
الضوء على بعضها بإيجاز شديد :
× قصة : العطر :
بائع العطر البسيط والشعبي في قلبه الابيض
(ابو خضير) يبيع العطور في سوق شعبي في محل
صغير , كل صباح في ابتسامة تعلو في ملامحه ,
يرحب بالزبائن لكنه يميز خصائل الناس في
أخلاقهم وسلوكهم , مثل ما يميز أنواع العطور ,
تراه حلو المزاج مع الناس الطيبين مثل صديقه
الحميم (أبو فراس) الذي يعود به الى الى سنوات
العمر الماضية وذكرياتها , مثل العطور لها خيط
من الماضي , يرتب عطوره حسب الحاجات الناس ,
ولكن بعد وفاة صديقه الحميم (ابو فراس) حزن
عليه بالوجع والأسى , حتى شعر ان الحياة جدبت
, مثل العطور التي فقدت روائح عبيرها , وأصبحت
روائحها كئيبة لا تطاق , فهجر العطور والسوق .
قصة : حب .. وحمص ..
وثالثهما نيتشه
الشاب العشريني (جليل) بائع الحمص
بالعربة , يعتني في بضاعته ونظافة الكؤوس و
ويعتني في ترتيبها , فهي مصدر رزقه, يحاول
إرضاء الزبائن بالنظافة والديكور اللائق , وهو
يتحمل مشقة الشمس , وقد اختار افضل مكان قرب
بوابة كلية الآداب (- الجامعة مكان محترم وآمن…
والرزق وفير) كل صباح تطل عليه فتاة جامعية
تماثله في عمره , يخفق قلبه بتسارع ضرباته
شوقاً ومحبة , ويحاول ان يرضيها بكأس الحمص ,
يحاول يجذب اهتمامها وهي تشتري كأس الحمص ,
تغيبت بعضة أيام , قلق عليها , ولكن عندما
أطلت في احدى الصباحات , انفرجت اساريره فرحاُ
, لاحظ التعب في عينيها , وحاول ان يستفسر
بخجل وارتباك فقالت له (- امتحان الفلسفة
ارهقني جداً , ولكن انتهى والحمد لله) ثم
أردفت (- بالضبط …. أكثر ما اتعبني هو نيتشه
وهيغل , هذان الفيلسوفان يعقدان أي شيء في
الحياة) ليقول لها انه سمع باسم نيتشه مرة في
الانترنت , وذهب الى شارع المتنبي يفتش عن
كتاب مبسط عن نيتشه , فوجده , لكنه وجد صعوبة
في فهمه , رغم أنه قرأه أكثر من مرة , واخذت
الفتاة الجامعية تتقطع في مجيئها حتى اتعبه
الصبر , لأن الحب كان من طرف واحد , لكن دفعه
الفضول إلى قراءة الكتب وشغف بحبها , لتعوض عن
حبه الخائب , حتى فتح مكتبة صغيرة , وكسب
الوعي والإدراك من اطلاعه على الكتب , بدلاً
عن الحب الخائب.
قصة : بجاه أبي
الجوادين
امرأة فقيرة تعيش على الرزق ما
تدره ماكينة الخياطة , منصبة طوال اليوم على
القماش الاسود العباءات النسائية, وتنظر الى
كوام القماش والعباءات غير المنجزة كل صباح ,
أحبت (أحمد) وكان كل آمالها ان ينتهي الحب
بالزواج , ليقف الى جانبها في حياة مشتركة في
الحب والوفاء , لكن حبيبها خذلها بعدم قبول
الزواج من طرف عدم قبول أمه لها , وتزوج ابنة
عمه , مما تجرعت كأس الخيبة والخذلان , وبعد
فترة طويلة طلبها في لقاء بموعد في الكافيتريا
التي شهدت لقاءات حبهما في السابق , ترددت في
قبول الدعوة , رغم ان حبيبها السابق اعلمها
بعزمه الزواج منها بعدما طلق زوجته , ذهبت إلى
الإمام أبي الجوادين , ليعينها على ترددها
وارتباكها , لا سيما وان جرح القلب مازال ينزف
من الاحباط , توجهت الى موعد اللقاء , وعرض
عليها الزواج لتقول له (- متأكد انك تستطيع ان
تقنع أمك ؟ كما لو كانت لا تحبني) ثم أردفت (-
هل تذكر عندما كنت بحاجتك في ذلك اليوم …..
وانت اختفيت بلا كلمة وداع) ثم أردفت وهي
تحاول ان تضبط اعصابها (- كل شيء ممكن ان يرمم…..
إلا الخذلان) وغادرت المكان .
قصة : دليفري
عامل توصيل طلبيات الطعام إلى
البيوت (عبدالله) أحد الايام تأخر كثيراً في
توصيل الطلبية بسبب البحث عن عنوان البيت صاحب
الطلبية , واخيراً وجده , وحين طرق الباب خرجت
امرأة مسنة (ام علي) اعتذر عن التأخير كثيراً
, فاجاب المرأة (- لا يا ولدي .. إن مجيئك
في هذا الليل يعد فضلاً منك . هل أسمك علي
– لا يا خاله .. أنا عبدالله
– عاشت الاسامي , يا ولدي)
ويعرف عنها بأنها تعيش في البيت وحدها , تقتلها الوحدة والعزلة عن الناس , ابنها (علي) مات , وابنتها ذهبت ضحية انفجار ارهابي , ولديها ولدان آخران , أحدهما في استراليا والآخر في المانيا , وهي تصر في البقاء في بيتها ترفض الرحيل عنه , وتكررت طلبياتها من نفس الطعام , وتصر على إيصال الطلبيات (عبدالله) وعقد تعارف حميم بين الطرفين , مثل الام والابن , ولاحظ ان طلبيات تكفي لاكثر من شخص , وكان غايتها ان ترى (عبدالله) التي تصر تناديه باسم ابنها المتوفي (علي) , فاضطر ان يجلب من بيته كل يوم الطعام اليها , وفي احد الايام لم تكن المرأة المسنة في بيتها , واستفسر من الجيران عن سبب الغياب , فقالوا له . نقلت إلى المستشفى في حالة خطيرة , فتش عنها ولم يعثر عليها , فاحس بمرارة الحزن والجزع .
قصة : خيوط القلب
ام مهدي : امرأة فقيرة من الوسط
الشعبي , تعيش في رزقها بما تدر عليها ماكينة
الخياطة القديمة, تخيط (الدشاديش) الى الاطفال
في الحي الفقير , ابنها الصغير (مهدي) طلب
منها ان تخيط له دشداشة العيد مثل الاطفال
الآخرين , ولكن لسوء الحظ تعطلت ماكينة
الخياطة , واصرت بعزم ان تلبي طلبية ابنها ,فخاطت
الثوب الابرة , ومرات تنغرس الإبرة في اصابعها
حتى تورمت , وانجزتها صبيحة العيد , ورسمت فوق
الجيب وردة من الخيوط الملونة , فكنت دشداشة
(مهدي) متميزة عن دشاديش اطفال الحي , لكي
تدخل الفرحة في قلب ابنها , رغم تورم اصابعها
والتعب والمعاناة .
قصة : الميت الحي
في ظهيرة الصيف عام 2003 يوم مختلف
في تاريخ العراق خرج السجناء وأصبحوا احراراً
من كوة الزنازين . وكل منهم يحمل مأساة ظالمة
ومؤلمة , احدهم اعتقل وعذب في مديرية الأمن ,
باعتباره مناهضا للنظام , ظل في زنزانة السجن
أكثر من 13 عاماً دون محاكمة ولا محامي , بسبب
اقتناء كتاب ممنوع , بوشاية من رفاق المنطقة ,
خرج في يوم السقوط بعدما اختفى رجال الأمن ,
ليجد سائق التاكسي (أبو سليم) امامه , وطلب
منه ان يطوف به في مناطق بغداد شوقاُ وحنيناً
للغياب الطويل , وتنتهي رحلته الطويلة في
منطقته (الدورة) , بسرد حكايته إلى سائق
التاكسي (أبو سليم) الذي تعاطف معه كثيراً
لحالته المزرية , والعقاب المجحف الذي تجرع
سمومه , وقال بأنه ايضاً اعتقل بوشاية بسبب
اقتنى كتاب الأغاني , ولكن حالفه الحظ بوجود
محقق مثقف , واعتبر الكتاب ليس عدواً للنظام ,
فاطلق سراحه , وتخلص من ورطة السجن طويل الأمد
ليقول (- يقال أن الدولة التي تخاف من الكتاب
, تكون مصنوعة من الورق) وحينما وصل الى
منطقته (الدورة) الى بيته القديم , وعرف
بالفاجعة التي أصابت اهله , والده مات , وامه
ايضاً ماتت حزناً عليه , والبيت بيع من قبل
الورثة . كانت الصدمة كبيرة بفاجعتها ليقول
بحسرة الحزن , بأنه أصبح غريباً , لا بيت , لا
وطن , لم يبق له سوى ان يسكن في المقبرة ,
بالقرب من قبر أمه وأبيه , شعر بالحزن المؤلم
, بأنه اصبح غريباً , وليس له سوى التوجه الى
المقبرة .