
جمعة عبدالله
(موقع الناس)
يمتلك الاتجاه الاجتماعي الواقعي في فن القصة الحديث , امكانية مقتدرة في نقد وتعرية الواقع الاجتماعي , يملك اهمية بالغة في تسليط الضوء الكاشف على الجوانب المظلمة , التي تشوه الحياة الواقعية وتحريفها عن جادة الصواب , ومقومات الاساسية للمدينة الديستوبيا هي : الخداع والكذب والنفاق والدجل والاحتيال , لذا نجد النصوص القصصية برعت في إظهار الصورة الكاملة على هذه الجوانب في اسلوب سردي شيق وممتع , ان يقوم الكاتب في دور الناقد الاجتماعي برؤية فكرية ناضجة وملهمة في التعبير والصياغة الفنية , في اظهار وتناول هذه السلبيات وفضحها الى العلن , في طرحها وتناولها , في سبيل خلق وعي اجتماعي وثقافي , واعاً ومدركاً بمفردات هذه الملثميات وزعانفها , في دلالة المعنى والرمز الدال في مدلولاته , وتكتسب القيمة الفكرية بالطرح الشجاع والكاشف , في أهم القضايا الاجتماعية , الظاهرة على المسرح السياسي والاجتماعي والديني , بأن هناك صراع بالغ الضراوة بين قطبي هما عنوان الحياة الاجتماعية وهم : الحقيقة والخداع . والصدق والكذب . النزاهة والسرقة , , والغوص في أغوارها , ربما النصوص السردية هي انعكاس لرواية (مزرعة الحيوان) التي تدين إرهاب الدولة وقمعها السياسي والاجتماعي , في اسلوب انتقادي ساخر على لسان الحيوانات , في جوانب تخنق التعبير الحر , وتجعله بضاعة استهلاكية , هنا ينبري بوضوح العمق الفكري , في مواجهة هذه المثالب , التي تضعف قيمة الانسان , كأنه بضاعة مستهلكة يمكن اللعب بها بسهولة في العقلية والثقافة , ومن هذا المنطلق نستشرف بعض النصوص , رغم ان كل نص يحمل عنوان ودلالة بالغة وعميقة
1 – النص : اختبار في مزرعة الحيوان ,
الجزء الثاني :
على الانسان العاقل ان لا ينخدع بالشعارات
المزيفة مهما كان بريقها لانها خاوية المحتوى
والمضمون , وانها متاجرة في العقول ومزايدات
رخيصة , ويمكن لهذه العقول المنحرفة في خداعها
, ان تدفع ثمن حياتها في شعاراتهم الكاذبة ,
ان يتحكم بها بوعي وعقل حكيم , لان هذه
الشعارات , تحاول اغلاق العقل والوعي بشكل تام
(اكتشفت ان على الانسان العاقل ان لا ينجرف
وراء الشعارات الرنانة وأن لا يفني حياته من
اجل ان يحقق امنيات الآخرين) .
2 – نص : سرقة ….
مخادعة وتضليل بأظهار نفسه ضحية , في
افتعال سرقة وهمية , كما فعل الحلاق سعد , حين
صرخ في اهالى محلته بأنه تعرض الى سرقة كبيرة
في منزله , في مسرحية مفتعلة (- لقد تعرضنا
الى سرقة ياحاج , سرق اللصوص كل ما خف وزنه
وغلاء ثمنه) اظهار نفسه ضحية لكي يقوم بسرقات
بيوت الاخرين , لقد فتشوا في كل شيء , المارة
, كاميرات المراقبة السرية , لم يجدوا شيء
غريب يدعو إلى الشك , لكنه قام بعد ذلك
بالسرقة وضبط بالجرم المشهود , حين ضبطه احد
صبيان الدار , بأنه في داخل المنزل رجل سارق ,
وعرفه من سعاله , وهذه سمة الحلاق المعروف
بالسعال الشديد , ثم رآه يسرع بسيارته ويبتعد
عن المكان المسروق .
3 – نص : تجارة رخيصة :
تعزف على الشخص المناسب في المكان المناسب
,تؤكد قيمة المسؤولية , ليس هي نزوة أو عبث أو
تطفل من اجل سرقة مكانة الآخرين , في بيع
جسدها في المتعة الجنسية من أجل الصعود على
اكتاف الاخرين . مقارنة بين الممثلة الكبيرة
المعروفة على خشبة المسرح , وبين ممثلة خلف
الكواليس , لتأخذ دورها لكي تصعد على خشبة
المرح , بعد اغراء المخرج في ليلة حمراء ,
وقبل صعود الممثلة المتطفلة , واجهتها الممثلة
الكبيرة بكلام حكيم (كان عليك أن تتطهري من
اردانك قبل ان تصعدي خشبة المسرح , فدور
الناسكة يتطلب امرأة تملك العفة والطهارة .
وتركتها ومضت)
4 – في المجموعة القصصية تضعنا أمام حالتين متناقضتين بالنسبة الى القدر , القدر الظالم , وعدالة القدر .
نعرض الاولى
(القدر الظالم)
:
ينطلق السائق باقصى سرعة , لكي يصل الى قريته
, وينفذ شحن جهاز الهاتف , وحين وصل الى قريته
, خفق قلبه بالصدمة , حين وجد حشد من الناس
يتجمعون عند ضفة النهر , بدأ الخوف والقلق
والصدمة المفاجأة هزت كيانه ,, حين اخبره
الناس بأن زوجته غرقت في النهر ’ سقط مغشيا
عليه , وبعد ثلاثة ايام طفحت جثة زوجته فوق
سطح الماء , ومن أجل التذكير بغرق زوجته , زرع
نخلة في موقع الغرق , وبعد عشرة أعوام تعرضت
قريته الى فيضان , غرقت البيوت وغمرت نخلته ,
فجلس يندب حظه العاثر ليقول (- ايها القدر ,
كم انت ظالم , لقد ذبحتني مرتين, انا ميت منذ
ذلك اليوم الذي خطفت فيه زوجتي , والآن تخطف
نخلتي , كم انت ظالم ايها القدر , ألا تعلم
بأنه لا يجوز لك ان تذبح الميت مرتين) .
أما نص : عدالة القدر . دأبت فتاة لعوب على المجيء بحجج واهية الى صاحب المولدة في الحي , مرة التيار الكهربائي ضعيف , ومرة انقطاع التيار الكهربائي , فكان يرطب خواطرها ويعاملها بلطف , وهو لايعلم بأنها تعد له الفخ للإيقاع فيه , وفي احدى الصباحات دخلت عليه كالعادة , ولكن دخلوا مباشرة عليه اقربائها , وعبروا عن غضبهم الشديد وبجدوها في المكان , وهذا مخل بالشرف , وتحت التهديد بالعرف العشائري , اضطر ان يتزوجها وتنجب منه طفلة , وبدأت المشاكل والخصام وطلبت الطلاق , فرضخ لمطلب الطلاق لكن طلبت تسجيل ملكية البيت بأسمها , فكان لها ذلك , وهي تخرج من مديرية التسجيل العقاري , وهي تلوح من بعيد بسند ملكية البيت بأسمها فرحة , وحين عبرت الشارع جاءت سيارة مسرعة فدهستها , وطار سند الملكية في الهواء , مما اجبر اقربائها ان ياخذ طفلته ويرجع معها الى بيته , بعدما فقد سند الملكية .
5 – نص : يا امي ….. سأحفظ وديعتكِ .
وضعهما الاستاذ المؤلف في نصين , احدهما
يكمل الاخر , وتدل على السلوك الارهابي للنظام
الشمولي , الذي يتلاعب في مصير الناس الى
المجهول , دولة الاخ الكبير , أو دولة القائد
الضرورة , الام على فراش المرض تنازع لحظاتها
الاخيرة , وضعت يدها في يد ابنتها الكبيرة (كوثر)
متزوجة ودكتورة في الطب , قبل ان تسلم روحها
للموت لتقول لها , بأن تحافظ على شقيقها
الصغير أحمد , في كلية الطب في المراحل
الاخيرة (- احمد وديعتي عندك , فحافظي على
وديعتي , بعد ان قالت هذه العبارة أسلمت الروح
وسط بكاء اولادها) . وفي احدى الايام من عام
1982 وجدت ثلاث سيارات من رجال الأمن يقتحمون
بيتها , يجرون شقيقها بعنف , وحاولت ان تستفسر
عن سبب الاعتقال , ضربها احد رجال الامن بأخمص
بندقيته فوقت مغشية فقدت الوعي ووجهها ينزف من
الدماء , والنص الثاني المكمل , عرفت شقيقيها
المسجون بعد البحث الطويل , بأنه مسجون في سجن
(ابو غريب) وساومها ضابط الأمن بالمقايضة
المالية , ان تدفع المال , او يعدم وانه محكوم
بالاعدام , فوافقت على الصفقة , في إطلاق
شقيقها من السجن والاعدام مقابل الدفع المالي
, جمعت ما تملك وباعت أملاكها العقارية في
سبيل إنقاذ شقيقها , وعند الدفع , وجدت ان
رجال الامن , جلبوا إحد المجانين من مستشفى
الأمراض العقلية لكي يعدم مكان شقيقها ,
استهجنت هذا الفعل غير الاخلاقي وقالت : ماذنب
هذا الرجل المجنون يعدم , فرد عليها ضابط
الامن في أسلوب خشن (- لا يوجد لدينا الوقت
الكافي لتنفيذ خطة بديلة , بموعد تنفيذ حكم
الإعدام سيكون بعد يومين) في حال تنفيذ
الاعدام بالمجنون سيطلق سراح شقيقها , وفي
اليوم المحدد , ذهبت لكي تستلم شقيقها المطلق
سراحه من السجن والاعدام , اخذته في سيارتها
وكان نائماً وملفوفاً بقطعة قماش كبيرة , فحين
ازاحت قطعة القماش عن وجهه , اصابها الرعب ,
فكان مشنوقاً وقد تدلت رقبته على كتفه .
6 – نص : سارق الغنم :
هذه احدى مصائب واقعنا الاجتماعي , بيع
بطولات وهمية بالمجان , في سوق التهريج
بالبطولات المزيفة , وبيعها على مشجعة وأنصاره
, وسط حالة من التصفيق الحاد من التشجيع ,
تجري هذه المهاترات في احدى المقاهي , يسرد
عليهم في ابتهاج في مغامراته ومجازفاته , ضد
اللصوص وحمى قريته من سرقاتهم , ويقول في احدى
بطولاته المزعومة , قبض على زعيم اللصوص ولم
يطلق سراحه , إلا بعد إعطائه أربع نساء
ليتزوجهن دفعة واحدة , , وهو في حقيقة الأمر
هو لص مطرود من قريته , وفي مشاجرة مع أحد
الذين يعرفونه تمام المعرفة ’ صائحاً به بغضب
(- ماذا تفعل أيها المعتوه يا راعي الغنم , هل
بلغت الجرأة وتمد يدك علي , يا كاذب انك لم
تتزوج ولا مرة واحدة في حياتك , هل نسيت نفسك
؟ لقد كنت راعياً لاغنام أبي في قريتنا , وقد
طردك حين اكتشف سرقاتك) .
7 – نص : مشروع عصري .
هي رمزية بليغة في مقولة (بأسم الدين
باكونا الحرامية) والنص موجه الى سراق العمامة
, وهذا مثال من الكثير من الامثلة من الظواهر
البارزة على سطح الواقع , امام الجامع المعروف
بـ مواعظه وإرشاداته في مواعظه الخطابية , بعد
أنهى موعظته الجلجلوتية , طلب من المصلين
التبرع المالي لاقامة مشروع يخدم الناس , لم
يحدد نوعية المشروع, وكل واحد يفسر المشروع
على طريقته الخاصة , البعض اعتقد بناء جامع
حديث وعصري , بدلاً من الجامع القديم , واخرين
اعتقدوا بأن المشروع هو بناء مستشفى حديث يخدم
الناس ويوفر العلاج ويكون قريب منهم , بدلاً
من الذهاب الى مستشفيات العاصمة وعناء التنقل
ومشقة المسافة البعيدة , والبعض اعتقد بأن
المشروع بناء مدرسة حديثة نموذجية , بدلاً من
مدرسة الطين , وبعد سنوات جمعوا تبرعات باموال
طائلة وتم تخصيص قطعة أرض واسعة , وبدأ العمل
بوتيرة مسرعة , وسط ابتهاج مدير المشروع
بالعمل والاسراع في الانجاز , واتضح اخيراً
بأن المشروع , عبارة عن اقامة (مول) تجاري .
8 – نص : اجتماع .
وهذه ظاهرة فعلية على مسرح السياسي , في
الحملات الدعاية الانتخابية للمرشحين , الذين
يفتشون بكل الطرق الشيطانية , في سبيل شراء
اصوات الناخبين بالاغراءات المادية والعينية ,
من اجل ضمان فوزهم , مثل ما يتحدث السرد في
النص وهي حقيقة ماثلة لا احد ينكرها , في
التنافس الانتخابي , مثل هذا المرشح الذي يقرر
تقديم وجبتين من الطعام واللحم , بدلاُ ومن
وجبة لحم في اليوم, وهذا يتطلب زيادة أعداد
الحمير في الحضيرة , من خلال تزويجهم لزيادة
عددهم, والحمير تشكو حظها العاثر , فقد جمعت
اقتراب الحملات الإنتخابية مع مواسم الأعياد ,
وهذا يتطلب من أصحاب المطاعم الذين يقدمون
الكباب المغشوش , بحاجة الى المزيد من الحمير
.