جمعة عبدالله
(موقع الناس)

براعة المتن الروائي يشتغل على عوالم مختلفة , في أحلك الفترات المظلمة التي مرت على العراق , التي تميزت بالعنف الدموي المفرط ونهج الإرهاب المشدد باعلى درجات البطش , الذي يمثل قوام الدولة البوليسية الفاشية , في اطلاق العنان الى رجال الامن , في بث الرعب والخوف , كما هو في فترة حكم البعث , وتوج الى اعلى القبضة الحديدية , بعد تولي صدام حسين , وازاحة الرئيس احمد حسن البكر , وتصفية تقريبا نصف اعضاء القيادة القطرية ومئات الكوادر المتقدمة في قاعة الخلد , او في مجزرة قاعة الخلد , ولم يقتصر التصفية والابادة على اعضاء حزب البعث , الذين عارضوا اغتصاب السلطة من قبل المجرم صدام حسين , بل سبقتها حملات الاعتقالات المستمرة ضد أعضاء الحزب الشيوعي واليسار العراقي عامة , في زجهم في الاعتقالات والسجون ووضعهم تحت المراقبة الامنية , وفي ممارسة التعذيب الوحشي , التي تنتهي الى الاعدامات الفورية دون محاكمات , او محاكمات صورية سريعة .
هذه فترات الرعب البعثي , سجلت أحداثها الدقيقة في صياغة الأحداث السردية في المتن الروائي , على لسان السارد العليم (نضال) وهو يعود بذاكرته في تسلسل سيرة حياته منذ طفولته في إحدى المناطق الكردية , التي تميزت بالفقر وصعوبة شظف المعاناة المعيشية للفئات الفقيرة الكادحة خاصة , وبعدها انتقال عائلته الى العاصمة , والحياة تسير من السيء الى الاسوأ في تهجير الاكراد , وزادت اكثر وحشية في زمن البعث , في حملات تهجير , تمثلت اما رميهم في الصحراء , أو رميهم خارج الحدود , في اسلوب هجين خالي من ادنى الشروط الانسانية , بل كان هدفها ابادة القومية الكردية بكل الاساليب الفاشية والعنصرية , وتوجت بأستخدام السلاح الكيمياوي , وشن الحروب الخارجية في اعلان الحرب ضد ايران , وممارسة الارهاب بالقبضة الامنية , تنال كل مواطن لم ينتمي الى حزب البعث , او عليه شبهات بالانتماء الى الاحزاب المعارضة , حول الحياة العامة الى الرصد والتنكيل , لكل من يكون خارج أسطبل البعث .
هذا التوثيق الروائي , يمثل شواهد شاخصة في التفاصيل اليومية , كما تناولت المسائل الاجتماعية في العقلية بالايمان بالدين , والاعتقاد في الخرافات وحكايات الشياطين , الذين يجتمعون في جنح الليل في الازقة المظلمة للبيئة الفقيرة المعدمة , وفي تناول مجريات الامور المعاشية في اسلوب واقعي هادف ورصين , كما عاشها فعلياً (نضال) وتجرع علقمها المر , منذ طفولته , والى مراحل حياته الاخرى , في التفاصيل اليومية الدقيقة , التي لا تخلو من انتقاد حاد , ومنصات السخرية المضحكة والتراجيدية , اي بين الملهاة والمأساة , كما ان (نضال) شارك في خضم الاحداث السياسية والحزبية بنشاط , رغم الاخطار الجسيمة التي واجهها من قبل اعضاء الاتحاد الوطني لحزب البعث , او من وكلاء الامن , الذين وضعوه تحت مجهر المراقبة والترصد في حياته اليومية , ان معالم السرد الروائي كثيرة ومتشعبة في الشخوص المحورية , والشخوص الفرعية , هذا الكم الكبير من احداث المتن الروائي , يمكن اجمالها في خيوطها الاساسية .
1- نضال : تقمص دور
السارد العليم المتكلم
نشأته في بيئة كردية فقيرة تعاني
البؤس والظروف المعاشية الصعبة , تربى في
عائلة كبيرة العدد (ثمانية اشقاء وثلاث
شقيقات) , ترعرع تحت رعاية أمه بالحب والحنان
, كانت بحق كادحة ومثابرة , وتفسر الاشياء
والاحداث بذكاء وروية رغم إنها (إن أمي كانت
امرأة أمية , إلا أنها كانت واعية ذهنياً ,
ومتنورة , مدرسة خالدة نابضة بالحياة ,
متسامحة , لا تحمل أية ضغينة تجاه الآخرين ,
كنت أصارحها بكل شيء)
ص28
, إلا أنها كان
يساورها القلق والخوف على إخوته الكبار , بسبب
انتماءاتهم الحزبية للحزب الشيوعي , ويصيبها
بالرعب من مداهمات الحرس القومي لمنزلهم ,
خشية الاعتقال بعد انقلابهم الدموي المشؤوم ,
منذ الصغر بدأ شغفه وحبه الشديد الى عالم
السينما والفن , ويواظب في الحضور في دار
السينما الوحيدة في مدينته , وبعد ثورة 14
تموز أصبحت ثلاث دور سينمائية , يرتادها الناس
بشغف متواصل , منذ الصغر تشبع ببعض الخرافات
واساطير الجن والشياطين , التي تتجمع في جنح
الليل في الازقة المظلمة , لخطف الاطفال ,
ويوماً وقع في إشكال صعب , مر في زقاق مظلم
متجهاً الى منزله , وبدأت تساوره المخاوف
والقلق من خشية اعتراضه وخطفه في المكان
المظلم والموحش وهو يتبول في مكان مظلم (وشعر
بالارتباك في هذه اللحظة المصيرية , وكطفل ,
وقع في الخطيئة , ينبغي أن يعاقب عليها, حيث
أني عملت شيئاً مخالفاً للعقيدة , حين لقنتني
والدتي ألا أتبول في سواد الليل , لان ذلك كما
قالت : (يؤدي الى تجمع الشياطين حولي) ومع ذلك
عصيت كلام أمي , بل ربما هذا العصيان , بدعوته
هذا قد يلحق مصائب الدنيا وكوارثها , فكل ما
يصيبنا من سوء الحظ فهو من رجس الشيطان)
ص44
, لكن كظم خوفه وقلقه , وواصل تبوله , انهى
مهمته بصعوبة وواصل مسيرته نحو بيته , رغم
نباح الكلاب تلاحقه , لكنه شعر بأنه انتصر على
الشيطان وخرافاته المخيفة , وحينما دخل البيت
, روى الى أمه انجازه العظيم , في معركته
الوهمية مع مخلوقات غير مرئية , نعم انها
معجزة في تحدي الشيطان .
انتقلت عائلته الى العاصمة ودخل المدرسة الابتدائية , وكان يشكو من النطق العربي الصحيح , فكان محل سخرية وتندر من التلاميذ , لذلك اشتكى احد اصدقائه الى المعلم بقوله : أن نضال , طالب جديد من القومية الكردية, لا يلفظ الكلمات بصورة صحيحة , وهذا الدافع عزم على الدراسة والموظبة وتعلم النطق باللغة العربية بشكل صحيح , حتى نال التفوق الأول في مدرسته , وبعدها دخل المدرسة المتوسطة , وتلمس الفرق الكبير بين المدرسين , منهم من يؤدي مهمته الانسانية , بجدارة ومسؤولية وينال احترام الطلبة , ومنهم العكس من ذلك , يتعامل بخشونة ولا يقبل اية ملاحظة , يواجهها بالحقد والكراهية , مثل الاستاذ (فاضل) حين ابدى احد الطلبة ملاحظة , بأنه يلقي الدرس بالاستنساخ الحرفي من الكتاب , دون ان يزيد او ينقص حرفاً , فظهرت ملامح التشنج والعداء من الاستاذ , وبدأ يضرب بشكل عدواني مبرح , كأنه في حلبة تمرين لجسد الطالب المسكين , اشبعه ضرباً ورفساً في كل خلية من جسمه , كأنها صورة طبق الاصل من التعذيب الوحشي من الأجهزة الامنية البعثية , في التعذيب والرمي في احواض التيزاب للمعارضين بقيادة مجرم العصر المجرم (ناظم كزار) في قصر النهاية , والذي قتله صدام حسين شخصياً بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة .
وفي مرحلة الإعدادية بدأ حبه الشديد والطاغي في قراءة الكتب الأدبية والسياسية , اضافة الى عشقه للسينما والفن كذلك حبه في الرياضة في مجال العاب الساحة والميدان , وكذلك شارك في النشاطات الحزبية للحزب الشيوعي , رغم ان هناك الجبهة الوطنية بين الحزبين البعث والشيوعي , لكنها كانت فخ ومصيدة في تصفية الحزب الشيوعي , بفتح المعتقلات والسجون , والمتابعة الامنية في قبضتها الحديدية , وتفاقمت الازمة السياسية في عام 1979 , حين استولى صدام حسين على السلطة , في إجبار الرئيس أحمد حسن البكر على التنحي , وتصفية بالاعدام تقريباً نصف اعضاء القيادة القطرية , ومئات من الكوادر المتقدمة لحزب البعث , جمعهم في قاعة الخلد , وعرفت بـ مجزرة قاعة الخلد , لإشباع غرائزه التسلطية (كان طموحه النرجسي ان يتوج نفسه بطلاً للامة العربية , أو حتى القائد الاوحد للامة برمتها , وكان على استعداد للتضحية بأرواح الناس , ومستقبل البلاد لتحقيق أهدافه الشريرة ومن اجل الوصول الى هذا الطموح , كان لابد من البحث عن وسيلة تمكنه من تحقيق ذلك , ومن هنا بدأت معاناة الناس في تصاعد , عندما هام القائد المفدى الشروع في تنفيذ مآربه الشخصية) ص127 . وكذلك لشخصيته المتكبرة بالغطرسة المفرطة , ان يشن حرب مدمرة مع إيران عام 1980 (اندلعت نيران الحرب ضد ايران عام 1980 التي اشعلها الرئيس العراقي صدام حسين , واصرار الخميني فيما بعد على عدم وقف هذا الدمار والخراب , الذي استمر ثمان سنوات من الالم و الاذى , واودت بحياة اكثر من مليون إنسان بين قتيل وجريح ومعوق , على الرغم من كل المآسي , إلا أن صدام لم يتعظ من خسارته الاولى , بل ادخل جيشه في حرب محبطة اخرى خاسرة مع دولة الكويت , فأهلكت كاهل الدولة التي دفع العراقيون ضريبة ذلك , بسبب عنجهية وغطرسة رأس النظام , عن طريق تجويع الشعب العراقي في حصار ظالم) ص129 .
دخل (نضال) في
أول مغامرة عشقية في الغرام , لكن نتائجها
كانت فاشلة , في مواصلة الحب فانقطعت العلاقة
بين الجانبين. وحين انهى المدرسة الاعدادية ,
واراد ان يواصل تحصيله الدراسي بالدخول الى
معهد الطب الفني , وجد عقبة تحول دون قبوله ,
وهي ينبغي ان يحصل على تزكية من الاتحاد
الوطني البعثي , حاول ان يقنعهم بأنه مستقل
ليس له علاقة بالسياسة لكن لم يقتنعوا بكلامه
, وطالبوا منه بالتوقيع على استمارة تعهد ,
بأنه لم ينتمي الى اي نشاط حزبي عدا حزب البعث
, رفض التوقيع على الاستمارة بعدم الانتماء
إلى اي حزب آخر , وإذا أخل بالتعهد , سيعرض
نفسه لعقاب شديد , ورفض التوقيع بذريعة (قلت :
– ولكن تحت هذا السطر ارى الورقة فارغة , من
يضمن لي انك لا تملي الاستمارة اني مديون
بمليون دينار بعد مغادرتي, وانا فعلاً وقعت
على الورقة) ص154
ولكن بعد تدخلات جانبية , تم قبوله في معهد
الطب الفني , لكن وضع تحت مجهر المراقبة
الامنية , وعند انتهاء فترة الدراسة والتخرج ,
لم يجد اسمه ضمن قائمة التعيين , فتأخر تعيينه
ثماني شهور , زادت تعقيدات الأزمة السياسية
نحو الاسوأ , زادت حملات الاعتقال والمطاردة
ضد أعضاء الحزب الشيوعي , وجاء اعتقال شقيقه
(حاذق) ادرك بانه الهدف المقبل في الاعتقال ,
طلبت أمه ان يهرب وينجو بنفسه والدموع تغرق
عينيها (- اهرب يا بني لا احتمل خسارتك ايضاً
.
وأضافت :
– هذه مملكة الرعب,حكم القمع , واغتصاب
الحريات) ص226
. فاستغل الوقت المناسب للهروب من مملكة الرعب
والموت .
2 – حاذق : أعدم عام
1985 .
سيرته الحياتية , أنه أصغر أشقاء
(نضال) شاب وسيم حلو المعشر بين الناس والطلبة
, يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً . طالب
جامعي في السنة الاخيرة من كلية الطب , يتميز
بمواهب متعددة , في مجال الموسيقى والرسم
والأدب والصحافة , وناشط في الحزب الشيوعي,
يمتلك الوعي والحكمة وصفاء الذهن , يتحمل بصبر
باستمرار استفزازات الاتحاد الوطني , وكان
مراقب تحت عيون رجال الأمن , ينتظرون الفرصة
السانحة لنهش لحمه , كالذئاب المسعورة .خلال
تصفية أعضاء الحزب الشيوعي جاء دوره في
الاعتقال , لكن بحجة سخيفة , بأنه مهرب ,
فاحتجت أمه بالغضب في وجه رجال الأمن (أبني
طالب جامعي) غيروا لهجتهم في التعامل بقول أحد
رجال الأمن (- وداعتج خمس دقائق ونرجعه واخذي
من هالشوارب) ص 271
. لكن
أدرك حاذق انه الوداع الاخير , صوب كلامه صوب
أمه بقوله (يا أمي … لا تفكري بي بعد اليوم)
فانفجرت بالبكاء المر , وشعرت بأن السماء
ملبدة بالغيوم السوداء المشؤومة , هذه تعبر عن
حالة الإرهاب المفرط للدولة البوليسية (عبرت
تلك الأساليب البربرية عن ايديولوجية فاشية
مدمرة ترمي الى افراغ الانسان , من بوتقة
انسانية وقيمة نبيلة , وجعله آلة جامدة غير
قادرة على التفكير , سوى ترديد نغمة واحدة ,
يحيا قائد الضرورة)
ص225
.
وفي عام 1985 في ليلة شتوية باردة كانت العائلة مجتمعة حول (صوبة علاء الدين القديمة) طرق بابهم احد رجال الامن وابلغهم , بأن عندهم موعد في سجن ابو غريب لمواجهة ابنهم حاذق . تيقنت الام بأن هذا الموعد المشؤوم يدل على إعدام حاذق , ولم تنم العائلة لك الليلة في هواجس الخوف والقلق , وعندما ذهبوا في الصباح تيقنوا من خبر إعدام حاذق في استلام جثته , فصرخت الام بكل شجاعة وجسارة في وجه حراس السجن بقولها (- سوف ارى عدي وقصي في هذا التابوت يوما ما يا أوغاد ؟) ص289 .
3 – سرقة المسدس من
رجل الامن :
نتيجة منطقية لرد الفعل والعمل
تجاه الاساليب البطش والارهاب المفرط ضد
اليسار عامة . تنتج ردات فعل متطرفة نتيجة
الشحن الفعل الثوري (- الحياة تعد ساحة حرب ,
تتطلب من الإنسان المجازفة , في اختيار خططه ,
وبراعته , والمجازفة لا تعني ان التجربة قد
تمضي الى تحقيق الهدف المنشود, وإنما هي خطوة
نحو تحقيق الأفضل)
ص132 .
والتشديد على الوعي في السلوك في الاختيار
اللحظة المناسبة للفعل الثوري , جرى هذا
النقاش الساخن بين الأصدقاء في جلسة شرب في
نادي ليلي , يرتديه ايضاً بعض رجال الأمن ,
خلال نقاشهم , لاحظ أحدهم بأن احد رجال الامن
ترك مسدسه على المغسلة , وتوجه نحو المرافق
الصحية , فانتهز الفرصة الثمينة في سرقة
المسدس , والخروج بسرعة من النادي الليالي ,
قبل وقوع المحظور وتكون العواقب وخيمة عليهم ,
ولكن بعد التحري والمتابعة والتحقيقات الأمنية
المتشددة , عرفوا السارق , والقي القبض عليه
ومات في التعذيب الوحشي , وبدأت ملاحقة
أصدقاءه والمشاركين في عملية السرقة والتستر
عليها , ومنهم (نضال) لكنه أنكر علاقته به ,
لا من بعيد ولا من قريب , ولكن أخذ الاحتياطات
الضرورية , لأنه وضع تحت عين المراقبة الامنية
.