أحداث عاصفة في يوميات انتفاضة عام 1991 في رواية (ربيع التنومة) للأديب قصي الشيخ عسكر

عدد المشاهدات: 8التصنيف: مقالة

جمعة عبدالله
(موقع الناس)

هناك أحداث ومواقف ترسم تاريخ الشعوب , وتبقى ملامحها حية وخالدة في سماتها التاريخية والاجتماعية والدينية , لذا فأن هذه الرواية ليس أنها وثيقة تسجيلية وتاريخية في أحلك فترة في تاريخ العراق السياسي الحديث فحسب , ولكن سجلت في عدستها اليومية أحداثها عبر تسجيل واقعي بالواقع الفعلي , كيف انطلقت شرارة الانتفاضة من البصرة وامتدت الى المدن الجنوبية وعموم المدن العراقية , التي شهدت سقوط سلطة النظام الطاغي وانهزام افراده كالفئران المذعورة , تترك مواقعها الحكومية والحزبية والامنية , لتنجو بحياتها من انتقام وبطش الثوار, عقب الاحداث الدراماتيكية , والفصول المتسارعة بعد احتلال الكويت , التي اعتبرها النظام نزهة سهلة , خلال سويعات قليلة تم الاحتلال , وبدأ نهب وسرقة الممتلكات والاموال , من الفرهود الواسع كغنائم حربية , ولكن بعد ذلك انقلب السحر على الساحر , في الهزيمة الشنيعة , جعلت الجنود يهربون من مواقعهم من حمم النيران بالطائرات والمدافع , أصبحوا في حالة رعب وخوف , وفي حالة مأساوية من الجوع والعطش , فكانوا في حالة يرثى لها , ممزقي الثياب يغطيهم الغبار , كأنهم أشباح بشر , ووصلت حالة التردي ,بأن اصبح الجندي العراقي يقبل بسطال الجندي الأمريكي لينجو من الموت , أمام هذه الحالة التعيسة , نزعوا ثيابهم العسكرية وتركوا ثكناتهم العسكرية , ووجهوا بنادقهم الى صور الطاغية بالتمزيق , وتحطيم النصب والتماثيل , مما اجج الغضب الى التمرد والثورة على النظام , الذي جعلهم خرفان جاهزة للذبح , فكانت انطلاق شرارة الانتفاضة وانطلقت بنيرانها في التمدد والاتساع من الغضب الشعبي العارم . نتيجة القهر والإرهاب وجنون العظمة عند رأس الطاغية بشن الحروب المتوالية والهزائم المتوالية , والتي انتهت في حرب الخليج الثانية , , ولكن تبقى مسألة الكويت في النزاع التاريخي المتواصل في العراق , من الملكية , ملك غازي وبعده الحكم الجمهوري عبدالكريم قاسم , يطالبون بالكويت بأنها ارض عراقية , فقط من اعترف بها , هو انقلاب البعث عام 1963 . والمسألة الفكرية الاخرى هي مسألة العنف المفرط بين النظام , ورد الفعل الثوار بالانتقام والبطش , سيكولوجية العنف والعنف المضاد , بين الطرفين النظام والمعارضة . ولكن تبقى الانتفاضة الوجه المشرق لتاريخ العراق السياسي , كادت ان تحقق الحلم الجميل بإسقاط النظام , ولكن إضاعته أمريكا غيرت بوصلتها في الوقت الضائع , عندما ادركت بأن العراق سيقع غنيمة في الفم الايراني , أعطت اكسير الحياة والبقاء للنظام , ليجهض الانتفاضة بالقبضة الدموية , وبدأ النظام يخوض حرب ابادة وحشية ضد الشعب الثائر بالانتفاضة , لكي يحرمه من حق الحياة . احداث المتن الروائي ينقسم الى قسمين . السفر الأول : الانتفاضة , والسفر الثاني : السجن , يسردها أحد ثوار الانتفاضة (عبدالله عبدالرحيم) الموظف في دائرة العدل في البصرة , ومن اهالي منطقة التنومة البصراوية .

2 – السفر الثاني : السجن (حيث يتلبس الموت بالحياة)
يزج (عبدالله عبدالرحيم) في السجن , في زنازين الموت المكتظة بالكثير , فكانت وسائل التعذيب وحشية لا تتحمل , سقط الكثير ميتاً نتيجة التعذيب بالأسلاك الكهربائية والتعليق والضرب المتواصل حتى يغمى على الضحية وحين يفيق من إغمائه يعاد التعذيب من جديد , من أجل انتزاع اعتراف بكل الوسائل الهجينة وهذا الاعتراف يقر بحكم الاعدام والموت . وكانت حفلات الإعدام في السجون تجري بوتيرة متسارعة . وتوجه تهم خطيرة الى (عبدالله عبدالرحيم) كفيلة بأية تهمة تقوده الى الموت المحقق , تهمة المشاركة مع الغوغائين وحمل السلاح . مسؤول اذعة الثوار (شط العرب) شارك في التخريب والقتل المتعمد , ويتردد على الجامع . والمحققون بملامحهم العدوانية , يتطاير منها الشر والحقد والعدوانية , وتتهالك عليه الضربات من كل جانب , تمزق ثيابه وجسمه (هنا أيها الخائن : يا اعرج الشؤم , هنا مكانك مع الخونة) ص90 . لكنه بدد كل التهم بالإنكار الكلي , كوسيلة للدفاع عن نفسه ويدرك ان أي اعتراف يعني الموت , ووجد خير وسيلة مع عقدة النقص أو العاهة (العرج) متذكراً نصيحة أستاذه في المدرسة ( ليس بالضرورة ان يشعر كل ذي عاهة بعقدة . تيمورلنك الأعرج احتل العالم . موشي ديان اغتصب اخوات مائة وخمسين مليون عربي في ستة أيام حسوماً , فما بالك بي وقد جعلت لواء مدرعاً يفر . الآن جمعت الاثنين !) ص93 , لذلك يبرر عقدة العاهة بالعرج بعدم قدرته على المشي ولا حمل السلاح , وانه منذ طفولته في المدرسة معفياً من درس الرياضة , وأنه لم يكمل الدراسة الثانوية فمن اين اتت موهبة الخطابة , حتى يكون مشرفاً على اذاعة الغوغائيين (شط العرب ) أنه يتردد على الجامع من اجل جلب الطعام الى عائلته وأطفاله ليبعد عنهم شبح الجوع . وكان كل تعذيب يغمى عليه , يعاد عليه التحقيق مجدداً , ويتنقل في عدة سجون امنية , وظل متماسكاً يردد نفس اقواله دون تغيير , ويعاند في تحمل اهوال التعذيب , واخيراً ينقل الى سجن أمني يشرف عليه (ابا درع) البدوي يجمع العنف تارة والطيبة تارة آخرى , لذلك ركز على وتر الطيبة ويضخمها بالمدح المبالغ به , بأنه رجل كريم يحب العدل ولا يظلم احداً ( -سيدي انت رجل حقاني كما هو الشائع والمعروف عنك , الكل يتحدث عن طيبة قلبك وخلقك وكرهك للظلم , كلنا نعرف انك لا تظلم احداً , أرجوك ان تطلق سراحي) ص151 . يلتفت الى مرافقه ويطلب : ان يسجل اسمه , لكن حذره بأنه سيقرأ ملفه , اما الموت أو البراءة . وتمر الايام احر من الجمر تنتابه هواجس شتئ , ويطلب مقابلة الجنرال البدوي , يتعجب هذا من عدم إطلاق سراحه , يبرر المرافق بعدم وجود سيارة . فيقول بحزم :
– أطلقوا سراحه , ودعوه يذهب في السيارة المغادرة عصراً .

هكذا كتب عليه النجاة والحياة بعد الموت المحقق .
 

الرواية من اصدارات مؤسسة المثقف / سدني