جمعة عبدالله
(موقع الناس)

هناك أحداث ومواقف ترسم تاريخ الشعوب , وتبقى ملامحها حية وخالدة في سماتها التاريخية والاجتماعية والدينية , لذا فأن هذه الرواية ليس أنها وثيقة تسجيلية وتاريخية في أحلك فترة في تاريخ العراق السياسي الحديث فحسب , ولكن سجلت في عدستها اليومية أحداثها عبر تسجيل واقعي بالواقع الفعلي , كيف انطلقت شرارة الانتفاضة من البصرة وامتدت الى المدن الجنوبية وعموم المدن العراقية , التي شهدت سقوط سلطة النظام الطاغي وانهزام افراده كالفئران المذعورة , تترك مواقعها الحكومية والحزبية والامنية , لتنجو بحياتها من انتقام وبطش الثوار, عقب الاحداث الدراماتيكية , والفصول المتسارعة بعد احتلال الكويت , التي اعتبرها النظام نزهة سهلة , خلال سويعات قليلة تم الاحتلال , وبدأ نهب وسرقة الممتلكات والاموال , من الفرهود الواسع كغنائم حربية , ولكن بعد ذلك انقلب السحر على الساحر , في الهزيمة الشنيعة , جعلت الجنود يهربون من مواقعهم من حمم النيران بالطائرات والمدافع , أصبحوا في حالة رعب وخوف , وفي حالة مأساوية من الجوع والعطش , فكانوا في حالة يرثى لها , ممزقي الثياب يغطيهم الغبار , كأنهم أشباح بشر , ووصلت حالة التردي ,بأن اصبح الجندي العراقي يقبل بسطال الجندي الأمريكي لينجو من الموت , أمام هذه الحالة التعيسة , نزعوا ثيابهم العسكرية وتركوا ثكناتهم العسكرية , ووجهوا بنادقهم الى صور الطاغية بالتمزيق , وتحطيم النصب والتماثيل , مما اجج الغضب الى التمرد والثورة على النظام , الذي جعلهم خرفان جاهزة للذبح , فكانت انطلاق شرارة الانتفاضة وانطلقت بنيرانها في التمدد والاتساع من الغضب الشعبي العارم . نتيجة القهر والإرهاب وجنون العظمة عند رأس الطاغية بشن الحروب المتوالية والهزائم المتوالية , والتي انتهت في حرب الخليج الثانية , , ولكن تبقى مسألة الكويت في النزاع التاريخي المتواصل في العراق , من الملكية , ملك غازي وبعده الحكم الجمهوري عبدالكريم قاسم , يطالبون بالكويت بأنها ارض عراقية , فقط من اعترف بها , هو انقلاب البعث عام 1963 . والمسألة الفكرية الاخرى هي مسألة العنف المفرط بين النظام , ورد الفعل الثوار بالانتقام والبطش , سيكولوجية العنف والعنف المضاد , بين الطرفين النظام والمعارضة . ولكن تبقى الانتفاضة الوجه المشرق لتاريخ العراق السياسي , كادت ان تحقق الحلم الجميل بإسقاط النظام , ولكن إضاعته أمريكا غيرت بوصلتها في الوقت الضائع , عندما ادركت بأن العراق سيقع غنيمة في الفم الايراني , أعطت اكسير الحياة والبقاء للنظام , ليجهض الانتفاضة بالقبضة الدموية , وبدأ النظام يخوض حرب ابادة وحشية ضد الشعب الثائر بالانتفاضة , لكي يحرمه من حق الحياة . احداث المتن الروائي ينقسم الى قسمين . السفر الأول : الانتفاضة , والسفر الثاني : السجن , يسردها أحد ثوار الانتفاضة (عبدالله عبدالرحيم) الموظف في دائرة العدل في البصرة , ومن اهالي منطقة التنومة البصراوية .
2 – السفر الثاني :
السجن (حيث يتلبس الموت بالحياة)
يزج (عبدالله عبدالرحيم) في السجن
, في زنازين الموت المكتظة بالكثير , فكانت
وسائل التعذيب وحشية لا تتحمل , سقط الكثير
ميتاً نتيجة التعذيب بالأسلاك الكهربائية
والتعليق والضرب المتواصل حتى يغمى على الضحية
وحين يفيق من إغمائه يعاد التعذيب من جديد ,
من أجل انتزاع اعتراف بكل الوسائل الهجينة
وهذا الاعتراف يقر بحكم الاعدام والموت .
وكانت حفلات الإعدام في السجون تجري بوتيرة
متسارعة . وتوجه تهم خطيرة الى (عبدالله
عبدالرحيم) كفيلة بأية تهمة تقوده الى الموت
المحقق , تهمة المشاركة مع الغوغائين وحمل
السلاح . مسؤول اذعة الثوار (شط العرب) شارك
في التخريب والقتل المتعمد , ويتردد على
الجامع . والمحققون بملامحهم العدوانية ,
يتطاير منها الشر والحقد والعدوانية , وتتهالك
عليه الضربات من كل جانب , تمزق ثيابه وجسمه (هنا
أيها الخائن : يا اعرج الشؤم , هنا مكانك مع
الخونة) ص90 . لكنه بدد
كل التهم بالإنكار الكلي , كوسيلة للدفاع عن
نفسه ويدرك ان أي اعتراف يعني الموت , ووجد
خير وسيلة مع عقدة النقص أو العاهة (العرج)
متذكراً نصيحة أستاذه في المدرسة ( ليس
بالضرورة ان يشعر كل ذي عاهة بعقدة . تيمورلنك
الأعرج احتل العالم . موشي ديان اغتصب اخوات
مائة وخمسين مليون عربي في ستة أيام حسوماً ,
فما بالك بي وقد جعلت لواء مدرعاً يفر . الآن
جمعت الاثنين !) ص93 ,
لذلك يبرر عقدة العاهة بالعرج بعدم قدرته على
المشي ولا حمل السلاح , وانه منذ طفولته في
المدرسة معفياً من درس الرياضة , وأنه لم يكمل
الدراسة الثانوية فمن اين اتت موهبة الخطابة ,
حتى يكون مشرفاً على اذاعة الغوغائيين (شط
العرب ) أنه يتردد على الجامع من اجل جلب
الطعام الى عائلته وأطفاله ليبعد عنهم شبح
الجوع . وكان كل تعذيب يغمى عليه , يعاد عليه
التحقيق مجدداً , ويتنقل في عدة سجون امنية ,
وظل متماسكاً يردد نفس اقواله دون تغيير ,
ويعاند في تحمل اهوال التعذيب , واخيراً ينقل
الى سجن أمني يشرف عليه (ابا درع) البدوي يجمع
العنف تارة والطيبة تارة آخرى , لذلك ركز على
وتر الطيبة ويضخمها بالمدح المبالغ به , بأنه
رجل كريم يحب العدل ولا يظلم احداً
( -سيدي انت رجل حقاني كما هو الشائع والمعروف
عنك , الكل يتحدث عن طيبة قلبك وخلقك وكرهك
للظلم , كلنا نعرف انك لا تظلم احداً , أرجوك
ان تطلق سراحي) ص151 .
يلتفت الى مرافقه ويطلب : ان يسجل اسمه , لكن
حذره بأنه سيقرأ ملفه , اما الموت أو البراءة
. وتمر الايام احر من الجمر تنتابه هواجس شتئ
, ويطلب مقابلة الجنرال البدوي , يتعجب هذا من
عدم إطلاق سراحه , يبرر المرافق بعدم وجود
سيارة . فيقول بحزم :
– أطلقوا سراحه , ودعوه يذهب في السيارة
المغادرة عصراً .
هكذا كتب عليه النجاة والحياة بعد الموت
المحقق .
الرواية من اصدارات
مؤسسة المثقف / سدني