جمعة عبدالله
(موقع الناس)
يحتل المبدع الروائي الكبير مكانة مرموقة في
الابداع الروائي العراقي الحديث . ان يملك
براعة صياغة النص ومنصات وتقنيات متنوعة في
طرحه وتكوينه . ان يصوغها في جمالية المنهجية
في اسلوبية المتعددة الجوانب والاشكال داخل
الفضاء الروائي , يمتلك رؤى ورؤية فكرية ناضجة
وثاقبة من أشياء الواقع وتجلياتها , ان تكون
المضمون التعبيري العميق والبليغ , في مهارة
التناول والتنوع في الاشكال التعبيرية التي هي
من صلب الواقع اجتماعي , في اسلوبه الواقعي دن
مسحات تجميلية مزيفة وانما على حقيقته
المكشوفة , بأن المتن الروائي يخرج من مختبر
التجريب والابتكار في اشكال الطرح . في براعه
واعيه وناضجة , تملك مقوماتها من تداعيات
الواقع الاجتماعي , والغوص في تفاصيله الدقيقة
. اي ان العمل الروائي , يأتي من الجهد
المثابر والحثيث في صبغة ابداعية , تحمل آثار
وبصمات الروائي في الشكل والمضمون , الذي
يتمدد في هذه الرواية على خريطة الواقع
الاجتماعي , من خلال تناول حقبة اجتماعية
معينة ومحددة في زمنيتها , في كشف مظاهرها
ومفرداتها . التي تميزت بالقهر الاجتماعي
والمعاناة , لواقع يرزح تحت السلطة الابوية
المتسلطة على منافذ الحياة والعيش , في روحية
الامتلاك والاستحواذ والانتهاك , في بروز هالة
(الانا) الجشعة المضخمة باللامعقول , وتخرج من
صوابيتها المنطقية , لكي تخلق آثار سلبية ,
التي تترك البثور والجروح والقروح على المكشوف
. ان تضع الانسان داخل حلبة الملاكمة , يتلقى
الضرابات المميتة , دون ان يستطيع ان يحمي
ويدافع عن نفسه , سوى الوقوع متهلكاً في ازمته
النفسية المتأزمة والمأزومة بالاحباطات , حتى
يعلن انهزامه الكلي و يتجرع طعم الفاجعة
والمحنة والمأساة . مثلما نجد في المتن
الروائي لرواية (موت الاب) . التي جاءت ثمرة
جهد ابداعي مكثف ومتواصل استغرق حوالي خمس
سنوات (اكتملت كتابتها في عام 1995) . لقد
ابرزت معالم تلك الحقبة الاجتماعية بعينها
وبجوانبها المتعددة , التي ترزح تحت وطئة ,
القبضة السلطة الابوية الشمولبة . وما صورة (الاب)
في العائلة الصغيرة في الرواية , إلا صورة
مصغرة من الصورة الكبيرة (للاب الكبير) . وقد
كشفت معالم التسلط بلوثة الامتلاك والاستحواذ
والعسف , كأنه وحده يملك الحق والسيد المطلق ,
وحده يملك العالم , بلا منازع , الكل تحت
أمرته وسطوته , ومنْ يجروء على المعارضة
والمعاندة , فأنه يطرد ويجني على نفسه الويلات
. مثل هذا الاب مالك الدار (المكون من اربعة
غرف , كل غرفة تسكنها عائلة) يفرض سيطرته على
سكنة الدار , وهم يحاولون ارضائه واستعطافه
بالخشوع الى امره وتعليماته , رجالاً ونساءاً
. ولكل يتجنبه بالحذر الشديد منه . هذه الخطوط
الفكرية العامة للمتن السردي . تتوالى هذه
الاحداث في ذاكرة الطفل في خزين (فلاش باك) ,
عاش محنتها ومأساتها , في التسلط الابوي ,
الارعن والماجن بالحماقات المتهورة المتتالية
, بالتصرفات الخشنة في التعامل مع عائلته ومع
سكنة الدار . وسلوب التعبير السردي , يختلط
فيه الماضي والحاضر بصورة متشابكة , مثلما
يقول . أرسنت همنغواي (لا يمكن لاي كاتب
الفرار من طفولته) لذلك وضعنا الروائي , في
صلب الواقع الاجتماعي في تلك الحقبة المعينة .
في اسلوبه التعبيري الشفاف , بلغته الرشيقة
والبسيطة في وضوحها السلس , لكنها عميقة
المحتوى . وفي ابراز هذه السلوكية المتسلطة
وفي جوانبها الخطيرة , في تصرفات الاب القاسية
مع عائلته المكونة (من اربعة افراد , الاب
الام , الابن الصغير والكبير) وهو مثال
للشخصية الابوية في تصرفاتها الرعناء والطائشة
والماجنة , في مجونها الخليع في الشبق الجنسي
, بالسطو على نساء الدار , في استغلال غياب
زوج (سارة حفافة وجوه النساء) وهو يعمل حارس
ليلي , ليحل محله في الفرش الزوجية في
اختلاسات الليل . ولكن عندما بدأت تراوده
الشكوك المريبة تجاه أبنه (اسماعيل) بأنه
ايضاً يزاحمه يزاحمه في الاستحواذ الماجن على
(سارة حفافة وجوه النساء) , هدده وطرده
نهائياً من البيت , لانه اعتبرها خيانة
بالتطاول على املاكه ومشاركته بحصة منها ,
طرده ثم ضاعت اخبار (أسماعيل) , مما ترك جرح
بليغ الى امه , التي تجرعت الحزن والبكاء على
ضياع ابنها المنكود . ان سلوك الاب الارعن
والماجن , جلب على عائلته فاجعة المحنة
المأساوية , وان جبروته المتسلط والمتغطرس اخذ
يتصاعد اكثر خطورة , حتى حلت المأساة للعائلة,
في استمرارية حالة التصادم والقسوة والعسف ,
فطرد زوجته , أم اولاده , بعدما ان غاب عن
البيت ثلاثة أيام , ليعود ومعه زوجة جديدة
تصغره عشرين عاماً , ثم ارسل ورقة الطلاق الى
زوجته الاولى . انه مثال الذئب الذي يحمي
الدار . ولكنه بنفس الوقت يفترس سكنة الدار ,
يقوده هذا التسلط الاعمى والمغرور والماجن ,
الى الانحدار الى درك الجريمة . فقد ارتكب
عملية قتل بالحقد الاعمى لشقيقه (نوح) المثقف
الواعي والرصين في تصرفاته . وعملية القتل
تمثل , انتصار الرعونة الوحشية المتغطرسة ,
على الثقافة والفكر الواعي والناضج . لكن هذه
العقلية المتهورة , تقود نفسها الى الهلاك
والموت والخراب , مهما بلغ جبروت سطوته
الغاشمة . هذه الاشارات الملغزة بشفرتها
بالايحاء والمغزى , وهي تشير الى نهاية الى
أدانة السلطة الابوية . لذا فأن المتن السردي
, يتناول هذه الخطوط بحذر وفطنة وتأني , بوعي
مدرك العواقب المترتبة , لذلك يعرف اختيار
الجمل والعبارات الملغزة بمهارة محترف ناضج .
والرواية تتحدث عن ثلاثة شخصيات محورية في
المتن الروائي (التاجر . الصحفي . الرسام) ,
يتفقون في جلساتهم وخلواتهم على تأليف رواية
مشتركة بينهم , يكتبون فصولها . بما يحمل كلاً
منهم سيرة حياتية تخصه . في عناوينها البارزة
, في القهر والاحباط والانهزام . ولكن هذه
الشخصيات الثلاثة , في حصيلتها النهائية ,
بأنها تشكل شخصية واحدة مركبة على فصول سيرتهم
الحياتية , وتشترك في مشتركات واحدة . من
التأزم المأزوم , في الاضطراب النفسي والقلق
الحياتي الذي يجتاحهم , بالخوف من القادم ,
والخشية من التفكك والاندثار . ومهما كان
نتاجهم التأليفي كامل او ناقص . المهم تحقق
رغباتهم المشتركة , في كتابة فصول حياتهم ,
ويقوم بمهمة كتابة الرواية من قبل الصحفي (اذ
ليس الاخرون إلا الكتابة التي لا مناص منها ,
حكاياتهم ومسراتهم واحزانهم موضوعات جاهزة
للمؤلفين من امثالي , متسقطي اخبار الاخرين
وافعالهم , أليس غريباً أن يكون ميلنا (نحن
المؤلفين) الى تسجيل كل افعال الصراع المليئة
بالاخطار , ومرتكبيها من جناة وبغاة متأملين
سقطات هؤلاء وهفوات أولئك , ايكون الماضي
باحداثه وما صارت اليه ايامه مآوى الجميع ؟)
ص278 . مثلاً الناجي الوحيد من عائلة الاب
المتسلط , كان يتجرع عذاب المحنة من موت أمه ,
فقدان شقيقه (اسماعيل) التي ضاعت اخبار مصيره
. فهو الشاهد والسارد مع الاخرين مأساة حياته
وحياتهم . فقد يصف ابيه الذي استخدام سلاح
التسلط والقهر الاجتماعي , ان يصبح قاتل ومجرم
. يقول عن ابيه في جلستهم (- ان يقوم باي فعل
, لا يتورع أبي عن ارتكابه , حتى بمزيد من
الحماقات) .
(- ألم تفتر عليه في بعض احاديثك ؟)
(- هيهات . لقد عشت معه زمناً يليق بالحيوانات)
هذه الرعونة المتهورة وصلت الى مصيرها المحتم
والمحتوم , وهو الموت .
×× بعض الاشارات الملغزة بالرمز التعبيري , التي تصوب سهامها بشكل غير مباشرة , الى الادانة السلطة الابوية الغاشمة , في شد الخناق على العائلة والمجتمع . في طبيعة جبروتها المتلسط بالعسف والقهر , هذه الاشارات الملغزة في تعابيرها , لا يغفل عنها القارئ الفطن والنبيه , في مراميها الموجهة الى رأس النظام نفسه , في اقحام البلاد في حروب عبثية اضافة الى التسلط الشمولي , لذلك اختار هذه الاشارات الملغزة بما يخص احرب , وهي ادانة صريحة لمشعلي الحروب ومروجيها ومرتكبيها , وهي تؤدي الى الموت والهلاك والدمار . لذا اشير اليها بالنص الحرفي في هذه المقتطفات الى هذا الجانب .
1 – (الآن , ليس كواليس الحرب من الماضي وحده
, الحرب غيرت الكثير من احلامنا .
(الحرب . الحرب يالتعاسة هذه الكلمة .
(الحرب . ليس بالضرورة تعني الموت وحده) ص28 .
2 – (لقد سمعت عن مفقودين وضائعين حكايات اغرب من الخيال , ووضعت يدي على نواح امهات فقدن ابناءهن واباء بكوا ضياع اولادهم , ولكن بدافع من سبب ملموس لهم , كانت الحرب احد اسباب الضياع وفقدان الاثر) ص51 .
3 – (فقد فاجأتنا الحرب وما جرته وراءها من ويلات وجوع وعذاب , كان العوز قد شمل الجميع وألم بهم من كل صوب وحدب) ص52 .
4 – (تأملت المجلة الاجنبية بهدوء , رأيت عدداً لا يحصى من الجنود قتلوا في ميدان الحرب وبقيت جثثهم متروكة في العراء بعضها عافتها الدواب والوحوش الكاسرة , وبعضها تجمعت حولها مئات الحشرات , وبعدها نهشتها الطيور الجارحة , جنود تائهون في صحراء مترامية, خوذ وبنادق وثياب ممزقة) ص69 .
5 – (من منا على صواب . الذين غادروا أم الذين
فضلوا البقاء هناء ؟ .
(- ليس بعيداً ان تذبل وتموت هنا .) ص118 .
(- أترى الحال هنا افضل ؟
(- عفواً . انا لا اعرفك .
(لكني اعرفك . لماذا لا تغادر خارج البلد
لتعيش بعيداً عن المحنة) ص129 .
6 – ( – من جاء على ذكر حرق الكتب .
(- أنت اشرت في روايتك الكتب المحترقة في
احتلال بغداد) ص201 . وهي عبارة صريحة في توقع
حدسها ونبوءتها , بسقوط النظام ومجيء زمن
الاحتلال .
× رواية :
موت الاب
× المؤلف : احمد خلف
× عدد الصفحات : 289 صفحة
× تاريخ زمن كتابة الرواية . عام 1995
× زمن الاصدار : عام 2002