وقد كان التيار الصدري في أغلب الاحيان هو التيار الاكثر إختلافا عن بقية فصائل كتلته ، بل إن صراعه معها وصل أحيانا للدم، لكنه يعود أدراجه بحكم مصالح الطائفة بشكل عام ومكاسب تتحقق للتيار نفسه شخوصا ومواقعا، وبالتالي فإن التعويل على هذا التيار في توليد يسار جديد يبدو وكأنه من أحلام اليقظة المملة ، فتيار عرف ليس ببراغماتيته بقدر ما عرف بإنتهازيته وتبدل مواقفه السريع والمفاجئ أحيانا لا يمكن أن يعوّل عليه لقيادة أو لمجرد مشاركة في عملية تغيير مطلوبة يُراد لها أن تكون شاملة وحقيقية، صحيح إن شرائح واسعة جدا من أنصاره تعتبر ذات مصلحة حقيقية في التغيير المنشود، والتي لم تنحاز للتيار الا بحكم ظروف معينة لعل أهمها نكوص في فاعلية القوى الممثلة حقيقة لمصالح تلك الشرائح الطبقية إضافة لعوامل أخرى، لكن قيادات التيار لا تتحرك وفق تلك المصالح كما تشير تجربة السنوات المنصرمة بقدر تحركها وفقا لمصالح تلك القيادات ووفقا لما يريده زعيم التيار غير الموثوق بمواقفه من قبل الجميع، حلفاءا ومناوئين، وبالتالي فإن كل تعويل على دور التيار يبدو كـ "عشم إبليس في الجنة" وأي تصور بأن تلك الجماهير قادرة على إحداث التغيير داخل قيادات التيار تبدو أيضا أضغاث أحلام، فتلك الجماهير إعتادت أن تسير وفق الفتوى ومشيئة القائد (الضرورة الجديد) ولهذه الحالة مسببات وظروف ربما لا يسع المجال للخوض فيها الان .
إن الحراكات الاحتجاجية الان إذا أُريد لها أن تحقق أهدافها فلابد أن تأخذ مداها الطبقي بكل تجلياته الفكرية والسياسية والاجتماعية ، ولابد لها أن تهدد مصالح القوى المتنفذة في الحكم صراحة عن طريق تهديد وجودها في السلطة ، فإن كل قوة تحكم أو متنفذة في الحكم بمواصفات الكتل السياسية الحاكمة في العراق الان لا تطمح لأكثر من بقائها في سدة السلطة وهي مستعدة من أجل ذلك لتقديم تنازلات هنا أو هناك مقابل الحفاظ على مواقعها في الحكم ، وكل حديث عن أفقية الاحتجاجات وعدم رغبتها بتهديد مصالح القوى السياسية المتنفذة في الحكم وعدم إستهدافها لهذا الشخص أو ذاك يصبح عديم الفائدة وغير مجدٍ لتطور الحركة ، وعلى الاحتجاجات ألا تجامل اسماء شخوص وكتل الحكام بل عليها أن تشير وبالاسماء الصريحة وبالادلة الثبوتية على فساد هؤلاء، وفضح برامجها السياسية والاقتصادية وطرح البديل العلمي الواقعي، وبمواجهة صريحة ودائمة لا يشوبها الفتور أحيانا والتصاعد في أخرى ، وعند ذاك ستضاف قوى جديدة راغبة في التغيير ممكن أن تخلق يسارا ناهضا بمواصفات فكرية ذات مدلولات طبقية ونظرة متكاملة للواقع والمستقبل المأمول .