اليوم عيد ميلادها الثلاثين ، الفاتنة ذات اليد الجميلة ، و
الذراعين الناعمتين ، و الشعر الأسود الطويل ، و العينيين الساحرتين ، نفد
صبرها على الأرض الباردة ، و حطمها الشوق إلى البحر الدافئ ، فقررت الرحيل إليه
لتحتفل مع البحر ، و عبور بحار إلى الشرق الذي ولدت فيه ، و طالما تغنت بأشجاره
، بأنهاره ، بشمسه ، بصخوره ، بزرقة سمائه ، و كواكبه السيارة ، و طلوع البدر
في الليل ، و هبوب نسيم فجره ، و زقزقة طيوره قبل الغروب ، حطمها الشوق إلى زبد
البحر الذي ولدت منه أفروديت ، كان ذلك حلما هائجا أن تبرز إليه من دنياها ،
تتجاوز الحدود بين البلدان ، و تخرج في رحلة خفية غامضة إلى مصدر الجذب الحضاري
القديم الساحر ، تتنفس هوائه ، و تطأ أرضه ، و تسير بخطى بطيئة إلى الوراء مئات
السنيين ، تسير إلى الوراء إلى ذلك الجزء من العالم الذي تشكلت على أنقاضه
حضارة الغرب ، و ها هي تقف كأنثى مشهورة بجمال يدها في مؤخرة سفينة مبحرة ،
تتحدى إله البحر بوسيدون ، الذي يتجول بمظهره الملكي ، بلحيته المدببة ، و شعره
الطويل ، في أعماق البحر على عربة تجرها أحصنة ذهبية حاملا حربة حرب ، فارضا
سلطته ، و قوته على سطح البحر ، ذات تاريخ أنكر أوديسيوس فضله بانتصاره في حرب
طروادة ، فأغضب بوسيدون ، لذلك هيج بحربته أمواج البحر ، و حكم عليه أن لا يصل
إلى بيته ، و سيكون تائها في البحر .كانت ذات اليد الجميلة ممشوقة بعينيها
الناعستين التائهتين في مياه البحر ، البحر يمتد من تحتها ، و تمتد عيناها
المستغرقتان فيه بعيدا ، بدا لها البحر رهيبا ، فأدارت عينيها ، كان كل شئ هو
بحر عجيب ، أذعنت إلى رهبته ، و نظرت مرة أخرى إليه ، لترى امتداده مثل امتداد
عينيها إلى أفقه ، حدقت كثيرا إليه ، حدقت بتركيز إلى بعده ، لتبتلع عيناها
سعته ، و كأنها موجة فيه تعلو و تهبط . اتسعت عيناها ، رأت شبحا يمشي عليه ، و
مرق أمامها سريعا ، ذلك لم يكن وهما ، إنه استرسال في الرؤية ، رؤية عفاريت
البحر الصغيرة ، أسماك ضخمة لها زعانف ظهرية و بطنية ، أحصنة مجنحة ، لأن
عيناها صارتا تمتدان مثل إيقاع البحر ، مده و جزره ، صعود أمواجه و هبوطها ،
تياره السطحي ، و التحتي ، كان كل شئ في البحر امتثال لامتداد عينيها ، و
انبثاق ذهولها ، ظلت تنظر فترة طويلة ، لم تكن تتصور أن يكون البحر قاسيا ،
ماردا أو متوحشا ، فتاهت عيناها فيه مرة أخرى ، و تاهت نفسها ، و فزعت لضجيج
نوارس فوق رأسها ، فامتدت يد مجهول إلى شعرها المسترسلة على ظهرها ، و داعبته ،
تذكرت أن يدها تمسك سلة مليئة بالرغيف ، فراحت ترمي الرغيف إلى البحر ، و
السفينة تشق مياه البحر العظيم ، و تترك خلفها خطا طويلا عريضا لأمواج تتطارد ،
و تتكسر ، لاغية زبد المياه ، و فقاعاته ،ضائعة في أفق البحر الأزرق الفاتن ،
الشفاف ، بينما كانت النوارس تزعق ، و تخفق بأجنحتها .أعجبها هذا المشهد ، إذ
كانت تنقل بصرها تارة إلى المدى البعيد بارتجاف أمواجه ، و تعرجاته ، و تارة
أخرى إلى طيران النوارس ، أعجبها طائرا غريب بقي يحلق ، و يحوم حول السفينة دون
أن يهبط إلى المياه ، دون أن يلتقط قطعا من الرغيف ، أدهشها ذلك ، مما حدا بها
أن تقول بصوت ضعيف :
_ إنه يكره أن يأكل فضلات البشر .
ثم راحت تراقبه ، لتستكشف فيه أشياء كثيرة ، لم يكن الطائر يشبه طائرا كونيا ،
إنه أبيض اللون ، إلا أنه مذهب الجناحين ، لم تكن تبالي أن تخوض مخاطرة غير
محسوبة في زمن قلق ، لم يكتشف منذ عدة قرون ، و لم تكن تبالي أن تستكشف نفسها
تتحمل عبأ عبور البحر ، الآن أرادت أن تستعرض نفسها أمام الطائر ، ففلت منديلها
الأخضر من عنقها ، و أخذت تلوح به ، و تهزه في الهواء ، هبط الطائر بسرعة إلى
المياه ، فقد لاحت له سمكة تقفز لتزاحم النوارس على قطع الرغيف ، التقطها ، و
حط على سياج السفينة ، و تركها تسقط منه على سطحها ، ارتعبت ، و شهقت : ( آه )
، ثم تراجعت إلى الوراء ، كانت السمكة تتلوى عاجزة ، و تقفز ، و تحرك زعانفها
كأنها تطلب النجدة .تشجعت ، و رفعتها بصعوبة من زعنفها اللزج ، و أعادتها إلى
البحر قبل أن تفتح خياشيمها في الهواء ، و تموت .التفتت إلى الطائر ، و عاتبته
بنظرتها ، فاقترب منها ببطء شديد ، فقد وجد في عينيها حزنا لا يطاق ، ربما _
حزنا على آلاف البشر التي تموت في الطرقات الغريبة ، و تموت في الحروب التي لا
معنى لها ، و لا معنى لأنهار الدماء ، و العنف ، وجد في عينيها توسل ليسود
العالم السلام ، و يعيش الأطفال في أمان ، لم تلبث أن بحثت بنظرتها في عينيه
الصغيرتين عن معنى نظراته الثاقبة ، فوجدت فيهما رقة ، و حنان ، إذ كان يشع
فيهما بريق ساحر .ساد صمت بينهما .تفحصت عينا الطائر جسدها بنظرة خاطفة ،
أصابها الخجل من هذه النظرة ، إذ رأت عينيه تتحركان ، و تكشفان بروز نهديها ، و
سر وقفتها ، و عطفها على النوارس .حرك رأسه بتعبير مفاجئ ، فخفضت عينيها على
الفور ، و غطت صدرها بمنديلها ، ثم رفعت بصرها بحيرة ، و نظرت حولها ساهية ، و
جرى تبادل سريع للنظرات بينهما ، خفض الطائر رأسه ،كأنه يسألها :
_ ما اسمك ؟!
قالت بسرعة :
_ بريسيس .
ثم استمر صمت آخر عذب بينهما ، و هو يرفع بصره ، و يثبت عينيه على يدها ،
اقتربت منه ، مدت يدها له ، فراح يمشي منقاره عليها _ إنه يقبلها ¬_ يقبل جمال
فتان بلمسة سحر ، و سالت من عينيه دموعا عليها ، متوجا إياها ملكة لطائر مقدس
.رفرف الطائر بجناحيه ، و تركها تلوح له بمنديلها ، و قد ارتسمت عيناه في
عينيها ، و ذاكرتها ليس كشيء مجهول بل كعيني ملاك رقيق شفاف له هيبته في سعة
هذا البحر ، و سعة الغيم الأسود الغاضب الذي ظهر مندمجا بشريط الأفق ، فاختفى
فيه الطائر كبقعة بيضاء .
لم تمض لحظات حتى نهض إله المطر _ أبولو _ ابن زيوس غاضبا من منامه ، فقد آمنت
به بشدة ، و نذرت نفسها لخدمته ، الآن لم يكن صوته الإلهي الآخر يرن في رأسها
بإيقاع الزمن القديم ، لأنها لا تريد أن ترى أبطالا ملتحين محاربين ، و لا أذرع
مرفوعة مطبقة على قبضات الأسلحة ، و لا أيدي تمسك صولجانات العروش ، و لا رؤوس
تعتمرها تيجان ، و لا وجوه بعيون جانبية أو كاملة ، إنها تريد أن ترى نحلة
مفتوحة الجناحين متجه إلى الزهور ، و أيدي تمسك سعف النخيل ، و أغصان الزيتون ،
و أكاليل الخصب _ ذلك الانتصار البشري _ هذا الصوت الآخر أغضب أبولو ، فأسقط
الغيم مطره غزيرا ، و ظهر بوسيدون في عربته عاري الصدر ، صارخا ، يضرب البحر
بحربته ، فأظلمت السماء عابسة ، و هبت ريح باردة طازجة ، ثم ساد ظلام دامس ،
فحدثت ضجة داخل السفينة ، و انتاب جاذفيها هلعا ، و اضطرابا شديدين ، فتعالى
صراخهم ، و هم يتدافعون في اتجاهات مختلفة ، و يرتطم بعضهم ببعض ، و بجدران
السفينة ، و سقطوا على بعضهم ، و تدحرجوا مع الأشياء ، أما بريسيس فتشبثت بسياج
السفينة ، و هي تسمع هدير عنيف ، و ترى ارتفاع أمواجا ضخمة ، مفزعة ، شريرة ، و
قد أيقنت أن بوسيدون هيج البحر ، و أبولو أغضب السماء ، و إن عاصفة جامحة هبت
بسرعة خاطفة ، و إن أمواج الإعصار العالية تصفع السفينة ، تمايلها ، و تهزها
مثل أرجوحة ، و تلاطمها ، و تحفر أنهارا في صدرها ، و المطر يهطل فوقها كشلالات
مياه ، و إن السفينة أصبحت تدور في زوبعة رهيبة ، و ظلت بريسيس تصرخ ، و تجاهد
بذراعيها ، و ساقيها ، و هي لم تصدق نفسها أن تروى طائرا عملاقا بجناحيه
الذهبين يخترق دوي الإعصار ، و يلتقطها بين رجليه ، و يطلق صرخته : ( يابو ) ،
التي ضاعت في دوي المياه ، و هو يستأنف اقتحامه دوران الزوبعة الهادرة ، و يحلق
في الغيوم متحديا بوسيدون ، و أبولو ، و الكون كله .
كان الكون هادئا ، و دافئا ، و أشعة الصباح الرائعة تراقص جسدها المقذوف على
شاطئ البحر تحت أشجار زيتون ، و قد اعتراها الوهن ، و الضعف ، و تمزقت ثيابها ،
و أضاعت منديلها ، نهضت بصعوبة ، و أجالت نظرها حولها ، لم تر سوى طائرها
المقدس يزعق فوق شجرة زيتون ، أما السماء فكانت صافية ، و البحر هادئا كالصباح
هادئ و رقيق ، متألق ، يفوح برائحة عطر الزهور ، مشت بتثاقل إلى البحر ، فوجدت
في طريقها كوبا خشبيا ممتلئ باللبن ، و سلة قش فيها حفنة زيتون ، رفعت الكوب
إلى فمها ، و جرعت اللبن جرعة واحدة ، ثم أكلت حبات الزيتون ، و دفنت بذوره في
الأرض ، و جلست تراقب البحر ، و تعيش زمنا أجمل مما مر عليها ، أجمل مما مر على
الأبطال المحاربين ، لأن مثل هذه اللحظات لن تتكرر ، و لن تعود ثانية إلى
الوراء ، فكانت عينيها مستغرقتان في البحر ، تائهتان ، تمتدان مثل امتداده ، و
هي تحتفل بعيد ميلادها الثلاثين مع البحر ، في سحر الشرق .