نظرية تعدد الأكوان
بين الرؤية العلمية والرؤية الميتافيزيقية
كان الفيلسوف الإغريقي سقراط
Socrat يقول : يبدو لي أن من غير المعقول
محاولة معرفة وتفسير كل شيء مثل : لماذا تظهر
الأشياء وكيف تظهر وكيف تختفي ولماذا، بل
ولماذا توجد الأشياء أساساً.
في بدايات حياته العلمية تساءل آينشتين
Einstein يوماً ما إذا كان لدى الله الخيار
عند خلقه للعالم، إذا كانت هناك عملية خلق،
وأضاف متسائلاً عما إذا كان هناك تفسير جوهري
لخصوصية عالمنا. وقد عاد هذا السجال إلى
الواجهة بعد ظهور فرضيات علمية عن إمكانية
تعدد الأكوان إلى ما لا نهاية، أو ما صار يعرف
بفرضية العوالم المتوازية l’hypothèse des
mondes parallèles. هناك عدة نظريات فيزيائية
علمية théories physiques scientifiques بنيت
على أسس مختلفة بيد أنها تلتقي على سيناريو،
كان حتى الأمس القريب، محصوراً في مجال الخيال
العلمي، والذي يقول : أن كوننا المرئي الشاسع،
بملياراته التي لا تعد ولا تحصى من السدم
والحشود المجرية ومليارات المليارات من
المجرات والغازات الكونية وما بينها من مادة
وطاقة، خفية أو مرئية، ليس سوى نموذج لكون
عادي مبتذل من بين عدد لا متناهي من الأكوان
المتشابهة أو المختلفة المتنوعة، بحيث لا
يتجاوز حجمه حجم جسيم أولي صغير في أصغر ذرة
مادية معروفة لدينا بالنسبة للكون المرئي ذاته.
فهل سيكون بوسع الإنسان أن يتصور وجود أكوان
أخرى غير كوننا المرئي، الذي يستحيل علينا نحن
البشر سبر أغواره وكشف أسراره؟ في الواقع
تطورت هذه الفكرة، والتي تقول أن عالمنا الذي
نعرفه ونعيش فيه، ليس سوى جزء ضئيل جداً من
عالم مطلق الأبعاد ولا متناهي، من التخيل
الخرافي إلى التفكير العلمي، واقتحمت الحقل
العلمي le champ scientifique في أواسط القرن
العشرين، عندما توصلت عدة نظريات كوزمولوجية
إلى هذه الفرضية العلمية كنظرية الأوتار
الفائقة théorie des super cordes والنظرية م
théorie M والميكانيك الكمي أو الكوانتي
mécanique quantique الخ.. أما قبل تلك الفترة
فقد كانت الفكرة تقع ضمن إطار الميتافيزيقيا
والخيال العلمي والتصورات الدينية الخرافية.
ففي القرن السادس قبل الميلاد تحدث الفيلسوف
والمفكر الإغريقي آناكسيماندر Anaximandre
بأول نظرية كوزمولوجية غير ميثولوجية وتطرق
بها إلى فكرة ظهور عوالم جديدة إثر اختفاء أو
اندثار عوالم قديمة. ومابين القرنين الخامس
والرابع قبل الميلاد قال الفيلسوف الإغريقي
ديموقريطس Démocrite إن الذرات والعوالم
موجودة بأعداد لا محدودة illimité . وفي سنة
1440 قال الفيلسوف والثيولوجي أو رجل الكهنوت
الألماني نيكولا دي كيه Nicolas de Cues بتعدد
العوالم حيث يتميز سكانها بعضهم عن بعض بخصائص
وسمات خاصة ومختلفة. وفي سنة 1552 صرح
الفيلسوف الفرنسي الإنساني فرانسوا رابليه
François Rabelais بوجود عوالم متعددة، ووفق
دورة الزمن تسقط حقائق في عوالم معدة لتقبلها
حسب البنية أو الهيكيلية الثلاثية المرتبطة
بالأفكار الأفلاطونية . وفي سنة 1584 دفع
الفيلسوف والمفكر الإيطالي جيوردانو برونو
Giordano Bruno حياته ثمناً لتمسكه بفكرة وجود
عوالم متعددة ومتميزة بعضها عن بعض بخواص
ذاتية، وتسكنها أنواع مختلفة من الكائنات
الحية والعاقلة مثلنا وربما أفضل منا وأكثر
تطوراً وتقدماً، حيث يقال أنه التقى بزوار من
الفضاء فضاق نفسه بما عرفه من أسرار لم يستطع
كتمها، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية اتهمته
بالزندقة وأحرقته حياً بتهمة الهرطقة. وفي سنة
1686 نشر الفيلسوف برنارد دي فونتنيل Bernard
de Fontenelle حوارات جسورة حول تعدد العوالم
Pluralité des Mondes قال فيها: لا يمكن أن
يكون عالمنا منعزلاً ووحيداً ولا بد أن تكون
هناك عوالم أخرى نسخة طبق الأصل عنه، وقد يوجد
فيها سكان هم عبارة عن نسخ أخرى عنا لكن
مصائرها قد تختلف عن مصائرنا وحياتها تأخذ
مناحي تختلف عما اتخذته حياتنا من مسالك. وفي
عام 1710 تقبل عدد من العلماء والمفكرين
والفلاسفة فكرة تقول بإمكانية وجود عدة عوالم
Multitude des Mondes ومن بينها، وربما أفضلها،
كوننا المرئي، ومن أشهرهم لايبنيز Leibniz وهو
فيلسوف وعالم رياضيات ألماني. وفي سنة 1957
دخلت أطروحة العوالم المتوازية les mondes
parallèles حقل الفيزياء المعاصرة من بوابة
ميكانيك الكوانتا أو الكم mécanique quantique
على يد عالم الفيزياء الأمريكي هيغ إفيريت
Hugh Everett ومن بعده في ستينات القرن
العشرين على يد عالم الفيزياء الروسي الشهير
أندريه زاخاروف Andrei Zakharov الذي قدم
نظرية الأكوان المتوازية les univers
parallèles وأشاع مفهوم الكون التوأم
l’univers jumeaux وحاز بفضل ذلك على جائزة
نوبل للفيزياء، ولم يتجرأ زاخاروف على البوح
بسر توصله لهذه النظرية، والذي يتلخص بتسلمه
لرسائل علمية محكمة الصياغة امن الناحية
لتقنية والرياضية وبالرسومات البيانية
اللازمة، أرسلت إليه من جهة مجهولة تسمي نفسها
مجموعة علماء الأوميين les Ummites القادمين
من كوكب أوموUmmo . وفي سنة 1977 طرح الفيلسوف
الأمريكي نيلسون غودمان Nelson Goodman فكرة
وجود عدة عوالم حقيقية وليست افتراضية أو
تخمينية، وهي متجاورة تتعايش جنباً إلى جنب،
منها ماهو مرئي ومنها ما هو غير مرئي، لكن
الاتصال فيما بينها معدوم وشبه مستحيل، وقد
نشأت من خلال استخدام الرموز والمعلومة
الرياضية. وفي سنة 1982 أدخلت فرضية الأكوان
المتعددة multivers إلى ميدان علم الكون
الكوزمولوجيا la cosmologie من خلال شيوع
سيناريو التضخم الدائم أو الأزلي inflation
éternelle على يد عالم الفيزياء الأمريكي من
أصل روسي أندريه لايند Andrei Linde . وفي سنة
1986 نشر الفيلسوف الأمريكي دافيد لويس David
Lewis فكرة أن كل ما يحدث في عالمنا يحدث
أيضاً وبشكل حقيقي في عالم آخر قرين لعالمنا
لكنه يقبع في أبعاد غير مرئية.
وقد حظيت فكرة تعدد العوالم بتأييد وقبول
جماهيري واسع بفضل السينما وروايات الخيال
العلمي، إذ أسالت هذه الثيمة لعاب كتاب
السيناريو في هوليود والذين أطلقوا العنان
لخيالاتهم الواسعة والغنية منذ عقود طويلة.
فكان مسلسل ستار تريك Star Trek الذائع الصيت
أفضل مثال على ذلك، وكذلك سلسلة الأفلام
الحديثة المعدة عنه والتي تحمل نفس العنوان.
ففي إحدى حلقاته المعنونة المرآة le miroir
انتقل الكابتن كيركKirk فجأة ونتيجة لخطأ تقني
إلى عالم آخر موازي monde parallèle كانت فيه
الأدوار والشخصيات معكوسة لما هو عليه في
العالم الأصلي فهو وفريقه يتشابهون بالشكل
ويختلفون في الجوهر، فكان شبيه أو توأم
الكابتن كيرك في العالم الموازي، قرصان يقود
عصابة من القراصنة الشريرين. ونفس الأمر حدث
في إحدى حلقات القصة المصورة للأطفال عن الرجل
الفولاذي القادم من كوكب كربتون أي سوبرمان
superman حيث كثيراً ما نرى هذا البطل الخارق
يطير بسرعة تفوق سرعة الضوء وبالتالي يتمكن من
التسلل إلى أكوان وعوالم أخرى ويعود إلى
الماضي أو يذهب إلى المستقبل في رحلات عبر
الزمن. ويتكرر نفس الموضوع عن تعدد الأكوان
والعوالم مع المسلسل الشهير بوابة النجوم
Stars Gaite الذي استخدم مفاهيم علمية
فيزيائية في العديد من حلقاته العديدة مثل
البعد المكاني الرابع la quatrième dimension
أو الأبعاد الفضائية القصوى les dimensions
supérieures أو الفضاء الأوسع hyperespace
والأكوان المتعددة multi univers والأكوان
الكوانتية المتوازية les univers quantiques
parallèles ويعتمد مسلسل المنزلق slider كلياً
على هذا المفهوم الأخير وبني برمته على أساسه
حيث ينتقل الأبطال في جميع حلقات المسلسل من
عالم إلى آخر، وكلها موازية لعالمهم الأصلي
الذي يبحثون عنه بلا كلل للعودة إلى أهاليهم
وأحبائهم ولكن في كل مرة يلتقون بمعارفهم ولكن
بصورة مغايرة لحقيقتهم . فالأبعاد المكانية
ثلاثة وهي الطول والعرض والارتفاع هي الوحيدة
التي يستوعبها الحس البشري العام sens commun
ويدرك الإنسان بفضلها وبواسطتها المكان الذي
يحتويه ويقيم فيه ويستمد منه إحداثياته، مهما
كانت تحركات الشيء في المكان ومهما كانت
تموضعاته أو مواقعه والتي توصف أو تحدد بثلاث
إحداثيات les coordonnées. وبفضل هذه الأرقام
الثلاثة نستطيع أن نحدد موقع ومكان وعنوان أي
شيء وأي جسم أو جرم سماوي في الكون المرئي
سواء كان على بعد بضعة ملليمترات عن أنوفنا أو
على أطراف أبعد مجرة قابلة للرصد والمشاهدة
والقياس في كوننا المرئي. والحال أن فكرة
البعد المكاني الرابع تعتبر تشويهاً outrage
لحسنا السليم. فمفهوم الأكوان المتعددة
univers multiples يطل على اللانهاية حيث كل
السيناريوهات ممكنة وأحدها يقول بوجود كون
شبيه بكوننا تماماً فيه نفس العدد والنوع من
المجرات والكواكب والنجوم، ونفس المادة
والطاقة الموجودتان في كوننا المرئي، وفيه
أيضاً أرض كأرضنا بيد أن الفرق يكمن في
التفاصيل الصغيرة مثل: أنني هنا في هذا الكون
مازلت أكتب هذا النص بينما شبيهي أو توأمي في
الكون الآخر الموازي ربما انتهى من الكتابة،
أو ربما يكون قد نشرها، أو يكون قد كتب كتاباً
كاملاً حول نفس الموضوع، أو أن يكون في رحلة
صيد، أو يقوم بأي نشاط آخر. وقد يكون هناك كون
آخر موازي لكنه يفتقد للنجوم والكواكب والبشر
مثلنا بحيث تكون محتوياته تختلف كلياً عما
نألفه من مكونات مادية وطاقوية. لقد تصدى لهذا
الموضوع المثير علماء مرموقين ومحترمين نشروا
كتاباً باللغة الانجليزية تحت عنوان: كون واحد
أم أكوان عديدة Univers or Multiverse تحت
إدارة عالم الكونيات وعالم الفلك والفيزياء
النظرية برنارد كار Bernard Carr من جامعة
الملكة ماري université Queen Mary في لندن.
كما نال الموضوع اهتمام العالم الفيزيائي
الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 2004 وهو
دافيد غروس David Gross . وكان العالم
الأمريكي ماكس تيغمارك Max Tegmark قد اقترح
تصنيفاً ذكياً لعدد من الأنواع المختلفة من
الأكوان، حيث يعتبر كوننا المرئي أحد النماذج
العادية الذي تنطبق عليه قوانين ومسلمات
ومعادلات نظرية النسبية العامة la relativité
générale لآينشتين Einstein وهو يتضمن كل ما
يحيط بنا. ولكن بما أن سرعة الضوء في هذا
الكون المرئي محدودة لا يمكن تجاوزها فإن ذلك
سيحد بالضرورة من قدرتنا على الرصد والمراقبة
والمشاهدة والحساب، بعبارة أخرى ستكون معارفنا
الكونية محدودة limité . فهناك جزء بسيط جداً
من هذا الكون المرئي يصل إلى أبصارنا ومداركنا
وإن أبعد شعاع ضوئي وصل إلينا منذ الانفجار
العظيم Big Bang يعود إلى 13،7 مليار سنة
ضوئية، وعلى أساسه قدر عمر الكون المرئي ــ أي
ما يقطعه الضوء من مسافة خلال هذه المدة أي
13،7 مليار سنة ضوئية وبسرعة 300000 كلم/ثانية
ـــ لذلك نوهت نظرية النسبية إلى أنه فيما
يتعدى هذا الأفق الكوني المرئي والقابل للرصد
والمشاهدة، قد يوجد فضاء لا متناهي وليس له
حدود espace infini . ولكن ماذا يعني ذلك من
وجهة النظر العلمية البحتة؟ لقد تمعن العلماء
منذ أكثر قرن من الزمن في هذه الفرضية العلمية
وحاولوا تكييف المعادلات الرياضية مع الواقع
المرصود والمشاهدات المثبتة. من هنا اقترح
العالم الأمريكي هيغ إيفريت Hugh Everett أن
يتم التعامل مع نظرية الكم أو الكوانتا
théorie quantique بحذافيرها معتقداً أنها
يمكن أن تصف الواقع رياضياً إلا أن معادلاتها
الرياضية أعطت نتائج مختلفة ومتباينة ومفتوحة
على لا نهائيات غير محدودة وكلها موجودة في
مكان ما، سواء في كوننا المرئي و واقعنا
الملموس أو في غيره من الأكوان التي لكل منها
واقعه الخاص به. واعترف هيغ إيفيريت بعجزه عن
تحديد العوالم المتوازية والواقع الموازي في
كل منها les réalités parallèles مما دفعه
للتصريح قائلاً: أنني واثق بأن في إحداها تعيش
قطة شرودينيغر chat de Schrödinger وفي واقع
آخر ، هو أيضاً حقيقي وملموس، تكون القطة ميتة
وقد اشتهرت فرضية إيفيريت hypothèse d’Everett
باسم العوالم المتعددة mondes multiples.
بعبارة أخرى هناك الفضاء الخاص المحدود رغم
شساعته المذهلة والموجود داخله كوننا المرئي
بكامل مكوناته ومحتوياته، والذي لا نعرف
بالضبط قطره الحقيقي ولا حجمه ولا شكله
النهائي ولا معماريته ولا عمره الدقيق، وهو
كون منظم وفق نسق تماثلي أو متناظر ومتناسق
تسيره مجموعة من القوانين الجوهرية والثوابت
الكونية التي يعتقد العلماء أنهم اكتشفوا
أغلبها ويبحثون اليوم عن النظرية الجامعة أو
الشاملة الموحدة لكافة القوانين الجوهرية
الأربعة ـ أي الثقالة أو الجاذبية
والكهرومغناطيسية والقوة الذرية الشديدة
والقوة الذرية الضعيفة ـ والتي من شأنها تفسير
كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون المرئي، على
الأقل من الناحية النظرية، وذلك منذ حدث
الانفجار العظيمBig Bang إلى يوم الناس هذا
بيد أنه يستحيل على مثل هذه النظرية الكلية
معرفة ماحدث بالضبط قبل الانفجار العظيم .
وهناك الفضاء المطلق ، بكل ما لهذه العبارة من
معنى، وهو المكان الذي لا حدود له ولا بداية
ولا نهاية ويحتوي على عدد لا متناهي من
الأكوان، وبذلك يعود العلماء لتبني فرضية تعدد
الأكوان وتقبل فكرة أننا في كوننا المرئي
برمته نعيش في حيز مكاني صغيرة جداً يشكل
جزءاً لا قيمة له من كون مطلق متعدد الأوجه
والماهيات والخصائص والمكونات، وكان من حسن
حظنا أنه توفرت في كوننا المرئي الذي نعيش فيه
الشروط والظروف الخاصة واللازمة والضرورية،
بعد صيرورة طويلة ومعقدة جداً، استغرت مليارات
المليارات المليارات المليارات من السنين،
لظهور ونشأة الحياة بداخله وعلى أسطح العديد
من كواكبه وأنظمته الشمسية المشابهة لنظامنا
الشمسي أو المختلفة عنه بالتفاصيل والسمات
والخصائص الخارجية وليس بالجوهر. أي أن كوننا
المرئي قد لا يتجاوز حجم الكوارك في أصغر مكون
من مكونات الذرة المادية فيه، مقارنة بالكون
المطلق أي إنه ليس سوى جسيم لا متناهي في
الصغر particule infiniment petit في جسد
الكون المطلق الحي والعاقل والذكي والمستمر
إلى ما لانهاية في عملية الخلق والتكوين
الذاتي، وتنطبق عليه كل صفات الله المطلقة، أي
يمكننا اعتباره بأنه هو الله المطلق. وكان
الميكانيك الكوانتي mécanique quantique هو
الذي فتح الباب لمثل هذه الفرضيات العلمية شبه
الخرافية. مما أتاح لعلماء مثل زاخارف
Zakharov وجون بيير بتي jean pierre petit
وماكس تيغمارت Max Tegmark وغيرهم كثيرون،
الاعتقاد بوجود أكوان توائم حيث لكل كون توأم
شبيه univers jumeaux كما هو الحال بوجود جسيم
مضاد لكل جسيم مادي ومادة مضادة للمادة وطاقة
مضادة للطاقة أي وجود نسخة مطابقة ومماثلة
لكنها معاكسة بالشحنة في حالة المادة المكونة
لكوننا المرئي، بيد أن المسافة التي تفصل بين
التوأمين لا تقل عن 115(1010 ) من المتر. لذلك
يصعب التقائهما. هذه هو النمط الأول من
الأكوان الممكنة الوجود حسب تصنيف ماكس
تيغمارك المشار إليه أعلاه. أما الصنف الثاني
فهو أعقد بكثير وتفسره نظرية التضخم العظيم
Big Inflation والتي قدمها سنة 1980 عالم
الفلك والكونيات cosmologiste الأمريكي من أصل
روسي أندريه لايند Andrei Linde الأستاذ في
جامعة ستانفورد ويقول فيها أن الكون المرئي
الذي ندرسه كان شديد الحرارة والكثافة بدرجة
لا يمكن تخيلها وعند لحظة 35- 10 من الثانية
حيث حدث تضاعف غير مفهوم للكون الوليد لم تعرف
أسبابه بعد، وبنسبة 1050، وهذا هو ما يفسر
التماثل والانتظام والتناسق أو التجانس
homogénéité للكون. وتدعي نظرية أندريه لايند
أن الزمكان espace-temps في حالة تضخم دائم
ومستمر، أبدي وأزلي éternelle ، بمعنى آخر أن
بعض المناطق الواقعة خارج الأفق الكوني المرئي
المرصود، ما تزال تشهد مرحلة التضخم المتسارع،
مما يقودنا إلى عدد لا متناهي من الانفجارات
العظيمة على غرار انفجارنا العظيم notre Big
Bang وكل واحد من تلك الانفجارات العظيمة يؤدي
إلى خلق كون مستقل. وهذه صيغة أكثر تعقيداً من
سابقاتها لمفهوم تعدد الأكوان multivers. ثم
جاءت نظرية الأوتار théorie des cordes بصيغها
الخمسة، ومن بعدها نظرية الأوتار الفائقة
théorie des super cordes ، لتعرض لنا صورة
أكثر غرابة عرفت بصيغة الأكوان الفقاعات
multivers Bulles وهي رؤية اقتربت أكثر من
نظرية الكون المطلق اللامحدود ، حيث كل فقاعة
عبارة عن كون متكامل مثل كوننا المرئي يساويه
أو أكبر أو اصغر منه بقليل أو كثير. وقد دافع
عن هذه الرؤية ـ النظرية بحرارة عالم الفلك
والفيزياء الكونية ليونارد سوسكايند Léonard
Susskind الأستاذ في جامعة ستانفورد ووصف هذا
التعدد الكوني بأنه بمثابة بنية أو تركيبة لا
نهائية الأبعاد مكونة من عدد لا متناهي من
الأكوان الفقاعات كفقاعات الصابون، ولكل واحد
منها قوانينه وخصائصه وسماته وثوابته الجوهرية
الخاصة به، بحيث أن لكل واحد منها ماهية تختلف
عن ماهية الآخر. ثم جاء لي سومولاين Lee
Somoline من معهد بريميترInstitute périmètre
في كندا سنة 1992 ليقول بنظرية الانتخاب
الطبيعي الكوني théorie de la sélection
naturelle cosmologique، على غرار الانتخاب
الطبيعي في حقل علم الحياة أو البيولوجيا عند
داروين Darwin، وعرفت بإسم نظرية الكم
الثقالية théorie quantique de la gravitation
أو نظرية الثقالة الكوانتية الحلقية أو
الدورانية، gravité quantique à Boucles حيث
بالإمكان أن ينبثق كون كامل من داخل ثقب أسود
Trou Noir. وعند ولادة كل كون جديد من رحم
الكون السابق (أو من مكوناته الآيلة للفناء
ظاهرياً وهي الثقوب السوداء) تنتقل بالوراثة ـ
مثلما هو الحال في انتقال الصفات الوراثية عند
الأحياء ـ كافة القوانين الفيزياء المعروفة
والمكتشفة أو الكامنة والخفية، ثم يحصل عليها
تطور طبيعي أو عن طريق الطفرات والتحولات
الجينية mutations بسبب التقلبات والتحولات
الكوانتية les fluctuations quantiques في
مراحل القفزات rebonds ولم يفلح صاحب النظرية
إلى اليوم في تحديد كيفية أو آلية انتقال
القوانين الفيزيائية من كون إلى كون آخر يلد
من رحمه كما تقول النظرية ويبقى السر دفيناً
إلى أجل غير مسمى،وهكذا تظل نظرية تعدد
الأكوان تتأرجح بين الرؤية العلمية والرؤية
الميتافيزيقية. وكما كان الفيلسوف الإغريقي
سقراط Socrat يقول : يبدو لي أن من غير
المعقول محاولة معرفة وتفسير كل شيء مثل :
لماذا تظهر الأشياء وكيف تظهر وكيف تختفي
ولماذا، بل ولماذا توجد الأشياء أساساً.