حامد الحمداني
في أوائل الخمسينات من القرن الماضي حضر إلى العراق الخبير
الاقتصادي المعروف آنذاك [ وندل ولكي ] بدعوة من الحكومة العراقية كي يدرس سبل
تطوير الاقتصاد العراقي ، وتحسين أدائه بما يساهم في رفع مستوى معيشة الشعب
العراقي ، وقد قام السيد [ وندل ولكي] بدراسة أحوال الاقتصاد العراقي آنذاك بكل
جوانبه ، واطلع على أحوال المجتمع العراقي فهاله ما رأى وما وجد ، وقرر مغادرة
العراق واعدا الحكومة بإرسال تقريره حال الانتهاء من إعداده ، وبعد أيام أرسل
تقريره المعروف في مظروف ، والذي تضمن عبارة قصيرة واحدة ، وكانت تلك العبارة
تتضمن التالي :
{ شعب جاهل تحكمه عصابة من لصوص } .
تذكرت ذلك التقرير وأنا أرى اليوم والحسرة تدمي فؤادي على ما نشهده في عراقنا
المنهوب والمنكوب ، الفساد والرشوة والسرقات التي ضربت أطنابها في جميع مرافق
الدولة من القمة حتى القاعدة ، ولم تقتصر تلك السرقات على الأفندية من حكامنا
الجدد ، وإنما شملت المعممين على مختلف ألوانهم وأشكالهم فقد استحلوا المال
الحرام دون واعز من دين أو ضمير، ولم تعد السرقات بألوف ولا حتى ملايين
الدنانير ، بل سرقات كبرى بمليارات الدولارات ، من قبل قادة العراق الجدد ممن
كانوا يسمون أنفسهم بالمعارضة لنظام صدام حسين القمعي الفاشي سارق قوت الشعب ،
والذين دخلوا العراق وراء الدبابات الأمريكية، وبوأهم الحاكم الأمريكي بريمر
أعلى مناصب الدولة في مجلس الحكم ، وفي الحكومات التي شكلها الأمريكيون فيما
بعد ، والتي أفرزت لنا نظاما طائفيا مدعوما بميلشيات عاثت وتعيث في البلاد
فسادا ونهبا وقتلا وتخريبا بما لم يعرفه الشعب العراقي من قبل .
تذكرت ذلك التقرير وأنا أسال نفسي :
إذا كان وندل ولكي قد وصف الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العهد الملكي بهذا
الوصف ، وهو ما لا يمكن مقارنته بأية حال من الأحوال بوضعنا الحالي هذه الأيام
، فماذا سيقول لو عاد اليوم إلى الحياة ، ودعته حكومتنا الرشيدة ليضع لها
تقريراً عن الوضع الاقتصادي للعراق ، وأحول الشعب العراقي البائسة ، وهو يعاني
اليوم أقسى الظروف التي لا يمكن أن يتحملها الإنسان ، حيث القتل على الهوية
بالعشرات وأحياناً بالمئات كل يوم ، باسم الدين والطائفة ، وحيث يقتل الشيعي
أخاه السني، ويقتل السني أخاه الشيعي، وحيث يُطارد وُيهجر ويُقتل المواطنون من
الطائفتين المسيحية والصابئة بكل وحشية، وحيث تمتهن الحقوق والحريات الشخصية
للمواطنين ، وتفرض ميلشيات الأحزاب الدينية الشيعية الحجاب على المرأة العراقية
، وُتهدد بالقتل كل من لا تلتزم بالحجاب ، وحيث البطالة تعم البلاد بشكل رهيب
حيث بلغت أحد عشر مليون عاطل استناداً إلى مصادر الأمم المتحدة التي أشارت على
ذلك مؤخراً ، وحيث يفتقد المواطن أهم الخدمات الضرورية من كهرباء وماء صافي
ورعاية صحية ووقود ، وحيث الجهل بلغ الحد الذي لم يبلغه في أوائل القرن الماضي
!! .
لا شك أن السيد وندل ولكي سيصرخ على الفور أعيدوني إلى قبري ، فلقد تخلف الشعب
العراقي مئات السنين عما وجدته عليه في أوائل الخمسينات من القرن الماضي وتبوأ
المعممون المتخلفون السلطة وسيطروا على كل مرافق البلاد بفضل سيدهم بوش ، ووقع
العراق في براثن المحتلين الأمريكيين والبريطانيين وأزلامهم الجدد من جديد .