حرية التعبير و الإلتزام الحزبي ، هل هذان المفهومان متناقضان أم منسجمان ، وأين الحدود بينهما ؟
حددت الفقرة 3 من المادة 3 من النظام الداخلي
للحزب حق العضو في " نشر وجهات نظره في
القضايا الفكرية والسياسية في المنابر
الاعلامية للحزب " ، ولم تجر الاشارة الى
وسائل الاعلام الأخرى ، وبالطبع لم تجر
الاشارة الى مواقع التواصل الاجتماعي التي
اصبحت في متناول الجميع وبشكل سهل جداً ،
وفَرَ امكانية واسعة لطرح الرأي الشخصي ،
ومناقشة الاراء الاخرى المنشورة في هذه
المواقع ، مما طرح اسئلة عديدة حول طريقة
التعامل والتفاعل مع الآراء التي تتناول سياسة
الحزب وكذلك الشأن الوطني العام ، ومنها :
هل يعكس الواقع التنظيمي والفكري والاعلامي
تنفيذ سليم لحق حرية التعبير عن الرأي ؟ وماذا
لو تعارض هذا الرأي أو اختلف مع رأي الحزب ؟
ومدى تأثير ذلك على نشاط الحزب الجماهيري
والتنظيمي الداخلي ؟
قضيتان مهمتنان على الصعيد الوطني أوضحتا ان هناك خلل في التوازن بين الالتزام بسياسة الحزب وبين ممارسة حق حرية التعبير عن الرأي الشخصي ، هما قضيتا استفتاء كوردستان وانبثاق تحالف سائرون .
في قضية الاستفتاء قدم الحزب موقفاً واضحاً من
عملية الاستفتاء في الاقليم ، ولكن ردود فعل
وآراء شخصية لعدد غير قليل من رفاق الحزب
افرزت شرخاً في فهم حق تقرير المصير للشعب
الكوردي الذي يتبناه الحزب منذ عقود ، وبين من
هو مسؤول عن ادارة الصراع حول هذا الحق وهي
القيادة السياسية الكوردية .
كثيرون كتبوا عبر مواقع شبكة الانترنت وأكثر
من ذلك من كتب في مواقع التواصل الاجتماعي
يكيل التهم والشتائم للقيادة الكوردية بشخص
رئيسها وعائلته ، ونَقلَ كوادر حزبية تقود
تنظيمات في المحافظات ، الازمة من حق للشعب
الكوردي ان يستفتى حول مصيره الى عدم بناء
مصانع في كوردستان وهي محررة من الديكتاتورية
منذ 1991 ، أو خيانة وعمالة القيادة الكوردية
، وغيرها كثير ، وهذا ما لم يثقف الحزب رفاقه
به ، واذا كان اعضاء الحزب هم اصدقاء
فيسبوكيون لمسؤوليهم فسيتأثرون حتماً برأي هو
غير رأي الحزب ، وهنا يكمن السؤال كيف سيثقف
المسؤول رفاقه بسياسة حزبه اذا كان هو يفكر
بطريقة مغايرة ، ولم تتصدى قيادة الحزب
لمعالجة هذا الخلل الفكري .
في قضية انبثاق تحالف سائرون اختلفت آراء الرفاق الحزبيين ، دع عنك غير الحزبيين ، بسبب من مفاجأة الاعلان وعدم التهيئة الفكرية الداخلية لإعلان هكذا تحالف حيث كانت النشاطات الفكرية والاعلامية تعمل على ابراز تحالف "تقدم" على اشدها ، وكذلك بعدما صدرت معلومات وتسريبات وتصريحات تعزز هذا الاختلاف الذي انحصر في موضوعة طرف التحالف الآخر وهو التيار الصدري ، وتجربة تحالفات الحزب السابقة . الحزبيون في داخل العراق وقسم ممن خارج العراق التزموا التعليمات الحزبية ودافعوا عن التحالف ، بينما كان هناك حزبيون آخرين ، لا يشك اطلاقاً باخلاصهم للحزب ، عبروا عن الشك بجدوى هذا التحالف وطالبوا بإجابات واضحة على اسئلة محددة وبأجراءات تنظيمية محددة أيضاً ، من خلال الاشكال التنظيمية وكذلك من خلال مواقع الانترنت لأنهم يعلمون ان ارائهم لن تصل الى قيادة الحزب ، بسبب المسافة التنظيمية الفاصلة بين هيئات قاعدة الحزب والقيادة ، وان وصلت فهي متأخرة جداُ ، ويعلمون أيضاً ان صحافة الحزب لا تقوم بنشر آرائهم المعترضة على سياسة الحزب .
حالات محدودة كان فيها التواصل بين قاعدة الحزب وقيادته ممكنة أثناء الندوات المعدودة لبعض القادة وبمناسبات معدودة ايضاً ، وباتت الحاجة قوية لتعزيز التواصل وتبادل الآراء ، خاصة بعد ان أصبحت خدمات الانترنت في متناول الجميع تقريباً ، وغالبية قيادة الحزب لديها صفحات على الفيسبوك تستخدمها لنشر بيانات وأخبار الحزب ومواد اخرى .
لذلك سيكون من المفيد تحويل جزء من مساحة ووقت صفحة الحزب على الفيسبوك الى منتدى للحوار يقدم الرفاق والأصدقاء آرائهم ، ويكون في الجانب الآخر ردود من قيادة الحزب على هذه الاراء ، وبصيغة حوار هادئ بعيداً عن كلمات مثل المتصيدين والمشوشين والمتخاذلين ، وسيساعد مثل هذا الأمر على تفهم وجهتي النظر ، ويخفف من التشنجات في الآراء المختلفة ، وتكون قيادة الحزب أكثر قرباً من القاعدة الحزبية وجمهور الأصدقاء ، والابتعاد عن ارسال الرسائل الداخلية والتي سرعان ما تجد طريقها الى خارج التنظيم ، وهذه الممارسة لا تختلف عن أية مقابلة صحفية تجريها القنوات الفضائية مع قيادات حزبية ، بفارق بسيط هو ان المحاور رفاق واصدقاء الحزب بدلاً من مقدمي تلك البرامج ، ومن السهل تناوب اعضاء اللجنة المركزية الثلاثون على هذا العمل المهم .
انتشار الانترنت ووسائل التواصل تستدعي التحرر من أفكار المركزية الديمقراطية (لازالت موجودة رغم الغائها كجملة من النظام الداخلي) وفكرة نفذ ثم ناقش يا رفيق ، وتستدعي الانفتاح لسماع الآراء المختلفة ومحاولة تفهمها والرد عليها بصيغة حوار ايجابي هادئ ، يعمل على توسيع ثقة الرفاق والأصدقاء بسياسة الحزب واجهزة تنفيذها ، حتى تكون لنا أصوات انتخابية أكثر ، وعدا ذلك ستكون الأصوات الانتخابية باتجاهات اخرى غير تحالف سائرون .
14 آذار 2018