حبيب تومي / اوسلو
في اعقاب انهيار الأتحاد
السوفياتي السابق وانفراطه الى دول مستقلة كانت جمهورية روسيا الأتحادية الوريث
الرئيسي لهذه الدولة ، وفي البداية عمت الفوضى هذه الجمهورية المترامية التي
تبلغ مساحتها اكثر من 17 مليون كيلومتر مربع ، وفي مخاض الأنتقال الجذري من
نظام الى آخر وتخبط السلطة السياسية وغياب القانون ، في هذه الأجواء انتعشت
العصابات ونشط اللصوص وعمت الفوضى والجريمة المنظمة في انحاء روسيا ، فكان
الأبتزاز والخطف والتهديد والقتل في وضح النهار ، واستفحال الفساد المالي
والأداري .. ودامت هذه الحالة تقريباً طيلة عقد التسعينات من القرن الماضي .
لقد كانت الضغوط من الولايات المتحدة وأوروبا على بوتين والحكومة الروسية
بتطبيق الديمقراطية الغربية المتطورة على الحالة الروسية .
لكن فلاديمير بوتين آمن بالمثل القائل : إن أهل مكة أدرى بشعابها ، هكذا تصرف
بوتين مع الجريمة والفساد والرشوة ، بدلاً من تقديم المرتشي والمختلس للمحاكم
والملاحقات القضائية ، وضعهم في السجن لنيل جزائهم ، وكانت تطبيق الديمقراطية
على الطريقة الروسية وليس على الطريقة الغربية .
إن تفكيك الوضع العراقي بعد 9 نيسان 2003 تبدو فيه جلية بصمات وملامح الحالة
الروسية من جهة استشراء جرائم السرقة والخطف والأبتزاز والقتل في وضح النهار
واستفحال الفساد الأداري والمالي … ولو عمل بوتين بالنصيحة الغربية حول
الديمقراطية لكانت روسيا تسبح لحد الآن في مستنقع الفوضى . ولما أتاح الوضع
الأمني في روسيا باستضافة رؤساء الدول الصناعية الثمان في قمتهم السنوية في
مدينة بطرسبورغ ، لتصبح روسيا دولة كاملة العضوية في هذا المحفل الدولي الهام .
لقد كان رد فلاديمير بوتين على جورج بوش في المؤتمر الصحفي الذي جمع بينهما :
أن روسيا ليست بحاجة الى الديمقراطية التي جلبتها قوات التحالف بزعامة امريكا
الى العراق .
أجل علينا ان نعترف ان الديمقراطية الغربية المتطورة لا يمكن استنساخها على
الواقع العراقي الناجم بعد تفكك مؤسسات الدولة العراقية .
قبل اربعين قرن تقريباً دوّن الملك حمورابي شريعته باللغة البابلية وبالخط
المسماري بغية تطبيقها على الواقع العراقي الجديد ، بعد توحيد العراق الذي
مقسماً الى مراكز سلطوية مدينية ( من المدينة ) المعروفة بدويلات المدن ،
وحّدها في دولة مركزية واحدة تتبع الى سلطة مركزية واحدة مركزها مدينة بابل ،
وأخضع آلهة المدن الى إله رئيسي واحد هو الإله مردوخ . وبعد ذلك نادى بالمساواة
والعدالة إذ يقول في مقدمته : أنا الملك حمورابي ملك الملوك اختارتني الآلهة
نيابة عنها لحكم البشر وإسعادهم ونشر العدل بينهم والقضاء على الشر ، وأن لا
يطغي القوي على الضعيف …
إن نشر العدالة في اصقاع بلد مقسم الى دويلات صغيرة متناحرة لم يكن يسيراً في
تلك العصور المظلمة ، ومن هنا قرر الملك العراقي حمورابي ان توحيد البلاد يكون
: اولاً : بوجود حكومة مركزية قوية ، وثانياً : سنّ قوانين متطورة شاملة ،
وثالثاً : تطبيق القانون على القوي والضعيف ، فالعين بالعين بالسن ، هكذا
استطاع هذا الملك العراقي من ان يضفي ذلك الزمان دولة القانون ، وان يخضع
الجميع دون مفاضلة او تمييز امام هذا القانون .
إن تفكيك لحظة تحرير العراق من الحكم الدكتاتوري ومحاولة إجراء مقاربة عقلانية
براغماتية على الوضع العراقي بعد 9 نيسان 2003 فإن تأسيس الدولة العراقية بعد
الأنهيار الذي حصل على مجمل مؤسساتها . ومن ثم تناحر القوى المتحالفة لأسقاط
النظام ، حيث كان لكل منها أجندتها الخاصة بها وتسعى الى تحقيقها بعد سقوط
النظام ، وهكذا فإن كل طرف يريد ان تنهض هذه الدولة على الأسس التي توائم رؤيته
.
وسوف نشير في هذا المقال فقط الى اجندة قوات التحالف وفي مقدمتها الولايات
المتحدة الأمريكية التي كان لها ولا زال الدور المؤثر في صنع الواقع والقرار
العراقي .
أمريكا والدول الغربية الأخرى رسمت للعراق إقامة دولة عراقية حديثة مبنية على
غرار الدول الديمقراطية التي ينعم الغرب بشمسها الدافئة ، والديمقراطية الغربية
كما هو معروف تحمل في طياتها قدراً كبيراً من الحرية ، منها الحرية الشخصية
والحرية الدينية وحرية الأقليات وحرية المرأة وحرية التملك وحرية الصحافة وحرية
الرأي وهلم جراً من الحريات التي نسمع بها فقط في العالم الثالث .
كان يجب ان تراعى ظروف العراق الأجتماعية والسياسية والدينية والأثنية
والعشائرية والمناطقية وتركات الحكم الدكتاتوري الفردي … الخ كيف نفكر بتطبيق
هذه الديمقراطية المتطورة على الواقع العراقي المتدهور في كثير من المفاصل .
في الوضع العراقي يظهر بجلاء استمرار غياب الدولة ، وإن تسجيل الحضور لمكانة
وهيبة الدولة لا يحصل بإبداء النصائح والمناشدة والقاء الخطب ، إنما الحضور
الحقيقي يحصل في التحرك السياسي الجاد المقرون باستخدام قوة وبأس الحكومة
باعتبارها الأداة التنفيذية في بسط النظام وإحلال الأمن وإقرار القانون .
في اعتقادي المتواضع لقد كان الواقع العراقي بأحوج ما يكون الى تطبيق نموذج
ديمقراطية بوتين لأعادة الأمور الى نصابها في الشارع العراقي ، وذلك قبل الولوج
في حديقة الديمقراطية ، إن كان النموذج الغربي مثل امريكا وأوروبا الغربية ، او
كانت شرقية كالتي في اليايبان او كوريا الجنوبية . نعم الوضع العراقي يحتاج الى
دولة القانون ، وحكومة قوية تكون بجانب تطبيق القانون على الجميع دون استثناء .