حبيب تومي / اوسلو
مقدمة
أقليم كردستان اليوم جزء حيوي من الوطن العراقي ، ويتميز بخصائص
طبيعية وجغرافية يغلب عليها التضاريس الجبلية وهي جزء من من القوس الجبلي
المتكون من جبلي طوروس وزاكروس ، ان هذه الطبيعة الجبلية سوف تلعب دوراً
سياسياً مؤثراً في خريطة العراق السياسية والأقتصادية والديمغرافية ، فهذه
الطبيعة كانت سخية بنسيمها العليل وجمالها الخلاب وخصوبة اراضيها وكثرة انهارها
وجداولها ووفرة ينابيعها وغاباتها الطبيعية ، وكانت فوق ذلك ملاذاً آمناً
لابنائها ولمن يلجأ اليها من ابناء العراق ، فكانت حصناً منيعاً عاصياً على
الأعداء لاجتيازه أيام المظالم والمحن .
الثورة الكردية
الحقيقة التي ينبغي ان نذكرها هي : ان تاريخ الشعب الكردي حافل
بالثورات ، ولكننا في هذا المقال نشير الى الثورة الكردية التي قادها المرحوم
الملا مصطفى البرزاني في 11 ايلول 1961 حيث كانت بداياتها متواضعة وكانت بحوالي
5000 متطوع مسلحين بالبنادق البسيطة . في الوقت الذي كان الجيش العراقي مجهز
بأسلحة ثقيلة وطيران عسكري وصواريخ ودبابات .
ومن باب ، ان المحن تشحذ الهمم ، فإن الأنتصارات العسكرية للقوات الحكومية في
وقتها ، قد حفزت الهمم ومهدت السبيل لانخراط اعدادة كبيرة من المسلحين الأكراد
في صفوف الثورة ، فبعد فترة قصيرة بلغ عدد المقاتلين في صفوف الثورة الكردية
حوالي 30000 مقاتل .
استمر البعث الذي استلم السلطة في 8 شباط 1963 في نفس النهج ، حيث استأنف
القتال مع الأكراد في 10 حزيران عام 1963 ، وواصل الأستمرار في المنهج نفسه
حكومة عبد السلام عارف بعد ان اطاحت حكومة البعث . وأخيراً في سنة 1968 حينما
تسنم البعث ثانية مقاليد الحكم ، تصرف بأسلوب آخر حول القضية الكردية ، فأصدر
بيان 11 آذار ، لكن منهج القضاء على الثورة الكردية بقي قائماً ، ولعل محاولة
اغتيال الملا مصطفى البرازاني في حاج عمران ، كان استمرار على منهجية القضاء
على الثورة الكردية بأي ثمن .
من ناحيتنا نحن المسيحيين من كلدان وسريان وآشور ، قدمنا تعضيداً مادياً
ومعنوياً للثورة ، لقد قدمنا الرجال ليقاتلوا في صفوف الثورة الكردية ، وسقط
منهم كوكبة من الشهداء في المعارك ، وقدمنا المواد الغذائية والأدوية وأطبائنا
ضمدوا جروح المقاتلين الأكراد ، وبسبب انخراطنا في صفوف الثورة الكردية كان
نصيب عوائلنا الأضطهاد والقمع والأهانة والتشريد ، إذ ان هذه العوائل كانت تحت
سيطرة السلطات الحكومية ، بعكس عوائل المقاتلين الأكراد والتي كانت محصنة في
المناطق المحررة من كردستان .
وفي هذا الصدد استطيع ان اضيف نقطة مهمة وهي ان مدننا وقرانا الكلدانية في سهل
نينوى وفي مقدمتها القوش ، بقينا الى جانب الثورة ، ولم نلجأ يوماً الى تجنيد
شبابنا في صفوف الفرسان ( الجتا ) ، في الوقت الذي كانت قطاعات كبيرة من
الأكراد قد انخرطت في صفوف هذه التنظيمات .
من هنا فإن : حقل الواجبات الذي كان علينا قد اديناه برجولة وشرف ، والتاريخ
يشهد على ذلك .
الأقليات الدينية والعرقية في اقليم كردستان
خلال القرنين المنصرمين تشكلت ملامح وأفكار وحركات هوياتية وأفرزت
طموحات في الأستقلال وتحقيق الذات القومية .
ومسألة الأقليات في كردستان باعتقادي المتواضع ان حكومة اقليم كردستان لا يوجد
ما تخشاه في تعاملها الأنساني مع هذه الأقليات .
هناك من يعطي نسبة 8,6% عدد نفوس الأقليات القومية في كردستان ، ومن الأقليات
الدينية والقومية المعروفة في المنطقة : العرب والتركمان ومن المسيحيين بينهم
الآشوريين والسريان والأرمن والكلــدان ونلاحظ ان الدين الأسلامي يجمع بين
الأكراد والعرب والتركمان ، وهنالك الأقلية اليزيدية المنتشرون في قضار الشيخان
وناحية القوش وسنجار . ويغلب تواجد الأقلية العربية في المدن الرئيسية ويندر
استيطانهم في القرى الكردية البعيدة ، بينما تتمركز الأقلية التركمانية في
المنطقة الممتدة من كفري الى اربيل والموصل مروراً بكركوك ، اما الكلـدان
والآشوريون والسريان ، وهم من السكان الأصليين في المنطقة ، وينتشرون في القرى
والأرياف شرقي دجلة وفي المناطق الكردية المعروفة بمنطقة بهدينان . لقد كان
هناك اقلية يهودية تستوطن القرى المنتشرة بين مدن كركوك واربيل وزاخوا ، ولكن
هذه الأقلية اندثرت بعد تأسيس الدولة العبرية ، لقد هاجروا او هجّروا بعد ان
كان العراق وطنهم لعشرات القرون من السنين .
اقليم كردستان والمجتمع الدولي
اقليم كرستان العراق .. نستطيع ان نقول ان له كيان اقرب ما يكون الى
دولة مستقلة .
في الوضع الراهن يتميز أقليم كردستان بأنه منطقة مستقرة آمنة خلاف المناطق
العراقية المضطربة ، ويسود الأقليم منطق تطبيق النظام والقانون على الجميع ،
وتزدهر التجارة الحرة ، وتقطع خطوات مهمة في مجال الخدمات المدنية والعمران
والتنمية ، بعد ان كان التسلط والأهمال والحروب رابضة في كل قرية ومدينة كردية
.
اليوم يتخبط المشهد العراقي في منزلقات وتحشدات طائفية ودينية ويغرق في برك من
الدماء الثأرية ، وتتجه الأنظار نحو كردستان ، ونلاحظ التفاني والأخلاص للعراق
من قبل رئيس الجمهورية العراقية الكردي جلال الطالباني ، ورئيس اقليم كردستان
الأستاذ مسعود البرزاني ، وغيرهم من الشخصيات الكردية العاملة في الساحة
السياسية العراقية ، حيث يعمل هؤلاء جميعاً من اجل وقف نزيف الدم في الوطن
العراقي .
من جهة اخرى نقول بصراحة ان اقليم كردستان بات ملاذاً آمناً للأقليات التي
تتعرض للأنتقام والتصفية لاسيما العوائل المسيحية التي ليس لها عمق عشائري
كالذي تملكه العوائل العربية ، فتضطر هذه العوائل الى الهجرة .
في هذا الباب نقول بثقة ان موقف الأكراد مشهود له وأنساني ولا مجال لنكرانه
وفاقد البصر والبصيرة فقط يتنكر لهذا الموقف المشرف .
المواقف الرسمية من الأقليات
تحاول تركيا جاهدة الأنخراط في الأتحاد الأوروبي ، ويبقى العائق
الرئيسي في وجه تركيا هو موقفها السابق من الأقليات الدينية والعرقية وفي
مقدمتها ما تعرض له الأرمن والسريان والأقليات الأخرى من التنكيل والأبادة .
كما ان اشكالية تعامل الدولة التركية مع القضية الكردية حالياً تبقى حجر عثرة
دائمة امام انضمام تركيا الى الأتحاد الأوروبي ، وعليها معالجتها بمنطق حقوق
الأنسان والتعامل الأنساني مع الأقليات قبل السماح لتركيا الولوج في هذا المحفل
الدولي الذي يحترم من جانبه حقوق الأنسان ومنها حقوق الأقليات ، سواء كانت هذه
الأقليات دينية او اثنية او لغوية او مذهبية …
تتملكني قناعة مفادها ان حكومة اقليم كردستان حكومة ديمقراطية ليبرالية علمانية
، ويتمتع اهل الأقليم بالحريات السياسية والدينية والفكرية ، ومن هذا المنطلق
لا يوجد أمر تخشاه حكومة كردستان للأعتراف الصريح بالأقليات العراقية في هذا
الأقليم من العرب والكلدان والآشوريين والتركمان والسريان والأرمن ، ومن
الناحية الدينية فثمة المسيحيون واليزيدية .
إن اعتراف اقليم كردستان بهذا التنوع الجميل ، يضفي على هذا الأقليم معاني
انسانية ، وتجعل منه كيان ديمقراطي يحترم التنوع الأثني والديني واللغوي
والمذهبي ، وهذا ما يعزز اسم ومكانة كردستان واسم الشعب الكردي في المحافل
الدولية والأقليمية .
ان أقليم كردستان يزرع الأمل والطمأنينة في نفوس الأقليات التي تطمح الى العيش
بأمان واستقرار ومحبة مع التنوع الجميل في وطننا العراقي .