حبيب تومي / اوسلو
المقدمة
الحمامة تعود الى عشها ، وملكة النحل الى خليتها ، والفراشة المرتجفة
تطبق اجنحتها الفائضة برقة وحنان ، تحط في احضان الزهرة الجميلة ، وتعلن عن
نشوتها الأبدية بعد ان ارتوت من رحيق الزهرة ما انعشها وأسكرها .
تشرق الصباحات المنيرة فتدب الحياة في الكائنات . تعود الطيور الحزينة الى
الغناء والى الأنتقال الرشيق بين الأغصان المتمايلة مع النسيم ، والزهور تتفتح
ساكبة اريجها مع النسمات اللذيذة الآتية من الجبل القريب ، وفي السهل الفسيح
تنبثق براعم الأشجار وتكتسي الأغصان بالأوراق الخضراء ، وتتراقص العصافير مغردة
معلنة فرحها بقدوم يوم جديد . وبقي علينا في هذه الصباحات الجميلة ، ان نعلن
انحيازنا الكامل نحو المحبة ، نحو صفاء القلوب .
المرض
المرض ضد الحياة وهو يعمل على ايقافها ، ولهذا نكافحه آملين في استمرار
حياة بدون مرض ، لقد اوقفني المرض عن رؤية اصدقائي وأحبائي وأحفادي ، لكن اقسى
ما عانيت هو استحالة استمراري مع الحبر والقلم والورق ومن ثم غيابي القسري عن
أعز ما املك في الحياة وهو كتبي الوفية الرائعة .
الكتب هي نهر الفكر والمعرفة ، وإن افتقدتها فإنك قطعت صلتك مع اجمل مباهج
ومسرات الحياة .
في هذه الكتب ستقرأ عن سقراط العظيم الذي يعتبر اول شهيد لفلسفة حقوق الأنسان ،
وحرية الفكر ، وسقراط احكم اهل يونان يقول : لا اعرف سوى شئ واحد وهو أنني لا
اعرف شيئاً .
وأفلاطون اعتاد ان يقول : أشكر الله الذي خلقني يونانياً لا بربرياً ، حراً لا
عبداً ، رجلاً لا امرأة ، ولكن فوق الجميع انني ولدت في عصر سقراط .
وقرأت في بطون الكتب ايضاً ، ان ما كان سائداً في حقب زمنية طويلة لغة مفادها :
ان القوة هي الحق ، وإن العدالة هي مصلحة الأقوى ، لأنه هو الذي يقرر ما هي
العدالة ؟ ، والمقولة التي تقول : حفنة من القوة خير من كيس من الحق ، هي
الفكرة المهيمنة الى يومنا هذا مع الاسف .
احترام شروط النشر .. والخلق الرفيع
الأستاذ أدور ميرزا يعطي لنفسه الحق في التعليق والرد على مقالات الآخرين
ويعتبر ذلك امراً طبيعياً ، ولكن حينما نناقشه على ما يكتبه ، لا يجيب على
اسئلتنا ، ولا يعلق شيئاً على النص ، ويكتفي بأن يذكّرنا بشروط النشر في عنكاوا
ويرشدنا الى الخلق الرفيع ، ويبدو ان الأخ ميرزا فاته انه هو الذي بدأ بالتعليق
على موضوع [ البيت الكلداني .. كيف نبني ؟ ] ولا أدري لماذا اثار حفيظة السيد
ادور ميرزا هذا الموضوع بالذات ؟
ولماذا اعتبره امراً استفزازياً ؟ في حين ان وصايته على الآخرين واستخفافه
بعقولهم وعدم احترامه لمشاعرهم القومية اعتبره واجباً وحقاً من حقوقه المشروعة
، ويذكرنا السيد ميرزا مرة اخرى مع الأسف بسياسة القطيع المكروهة من قبل
الأحرار في عالمنا المعاصر .
ان الأختلاف في الرأي مسألة طبيعية بين البشر ومناقشة الآراء والأفكار تجري بين
المثقفين ، وليس للأمر صلة بالخلق الرفيــع ، علماً انه هو الذي بدأ بطرح
المسألة للمناقشة . وحبذا لو يبقي الأستاذ ميرزا الأوراق منفصلة عن بعضها وعدم
خلطها ليستنى لنا رؤية ما يريد .
خلط اوراق الوحدة القومية مع تبرير لألغاء الآخر ، مع خلط امور المذاهب الكنسية
مع الأسماء القومية مع تنظيره للأسماء القومية والمذهبية … الخ أقول :
ان المصداقية والصراحة واحترام الرأي والرأي الآخر ، هي قواعد ينبغي على الكاتب
ان يسلكها ، وهذه المسألة قاطبة ليست ذات صلة بمسألة شروط النشر او بمبدأ الخلق
الرفيـع ، ان كان إبداء الرأي والحوار في حدود الفاظ وكلمات وأسلوب أدبي حضاري
رصين ، ونحن والحمد لله لا نقبل على انفسنا وعلى الأخ ميرزا وكل الكتاب الخيرين
على موقع عنكاوا والمواقع الأخرى لشعبنا ان نحيد عن هذا الطريق السليم .
الأختلاف في الرأي
أخي ميرزا إن الأختلاف في الرأي يجب ان لا يخرجنا عن الطريق السوي ، واسمح لي
ان اورد لك وللقارئ الكريم ما كان بين فولتير ( قصة الفلسفة 308 ) الذي آمن
بالعقل دائماً ويقول : إننا نستطيع تثقيف الناس واصلاحهم بالخطاب والقلم . وما
كان بين جان جاك روسو الذي لم يؤمن بالعقل الا قليلاً ، ويريد العمل ولم ترهبه
مخاطرة زج البلاد في ثورة ، لقد حارب فولتير كتاب روسو ( العقد الأجتماعي ) ،
ولكن نرى فولتير يهاجم السلطات السويسرية لمصادرتها كتاب روسو ( العقد
الأجتماعي ) وإحراقه . وكان ذلك تمسكاً بمبدأ فولتير المعروف والذي يقول فيه :
(( أنا لا اتفق معك في كلمة واحدة مما قلته ، ولكنني سأدافع عن حقك في الكلام
وحرية التعبير عن افكارك حتى الموت )). وعندما هرب روسو من مئات الأعداء الذين
كانوا يطاردونه ويحاولون الأعتداء عليه ، أرسل له فولتير دعوة صريحة كريمة
ليقيم معه .
تحياتي