حبيب تومي / اوسلو
مقدمـة
إنه عمل رائـع ان يكون لنا قناة فضائية تعكس همومنا
وتعرض مدننا وقرانا ، وتبرز ثقافتنا في ميادين اللغة والأدب والفن والموسيقى
والأزياء والعادات والتقاليد والمآثر .. انها لحظات تاريخية تشعرنا بفخر
واعتزاز لنقول للعالم :
هذه حضارتنا هذا هو شعبنا هذه تقاليدنا ومآثرنا وأوابدنا … لكن هذا الأعجاب
والفخر والأعتزاز لا يمكن ان يحول دون تناول فضائيتنا العزيزة بتأمل ونظرة
فاحصة ونقد بناء ، وأنا شخصياً لا ادعي امتلاك الحقيقة المطلقة وقد اكون مصيباً
او مخطئاً في بعض او في كل ما اطرحه ، لكن يقيني ينحصر في انني انطلق من
الأسـتقلالية والأخلاص واللاانحياز .
بنظري ان النقد حالة ضرورية لتحريك حالة الجمود التي تسعى الى تكريس السائد
واعتباره المعيار المثالي ، فالنقد البناء يسعى الى تسليط الأضواء على الخفايا
واليقينيات الثابتة والقابعة في الأركان المظلمة من كهوف النفس البشرية . وعسى
ان يكون لأدارة فضائية عشتار الصدر الرحب والنظرة الموضوعية على ما يكتب ويقال
دون الأهتمام باسم الكاتب او القائل .
شعار الفضائية
برأيي ان شعار الفضائية يعكس بشكل واضح التأثير
الآشوري ، ولا يمت بصلة الى الشعار الكلدانـــي المعروف ، وإذا كانت الأدارة
تروم الرمز لمكونات شعبنا من السريان والآشوريين والكلـــدان فكان ينبغي ان
يكون الشعار جامعاً لهذا التنوع دون الأنحياز الى طرف واحد ، ففي الشعار الحالي
تبدو جلية بصمات التأثير الآشوري .
اما ان كان الشعار يروم الرمز الى حضارة بلاد ما بين النهرين فلم يكن هناك افضل
من شعار ( الأنـاء الفـوّار ) هذا الشــعار العظيــــــــم الذي يرمز الى نهري
دجلـة والفرات وفيه الحيوية والحركة وتدفق الحياة وسيرورتها في هذه الأرض
المباركة .
برأيي الشخصي : (( ان يكون هذا الأناء شعاراً وعلماً لكل منظماتنا وأحزابنا
السياسية سواء كنا اشوريين او كلدانيين او سريان ، باعتبار اننا السكان
الأصليين في هذا البلد ، وهذا الشعار ( الأناء الفوار ) يعكس بحيوية حضارة
الأرض التي ننتسب اليها )) .
نموج واحد
للخطاب الآشوري المتشدد
إذا توخينا الدقة والحذر لا بد
من وضع الحزب الوطني الآشوري خارج دائرة الخطاب الآشوري المتشدد ، وفي البقية
الباقية من التنظيمات الآشورية يمكن ان نحكم عليها بأنها متشددة على الأقل في
جانب واحد وهو جانب صلتها بالخطاب الكلدانــي ، ولكن في هذا المقال سنكتفي
بنموذج واحد لهذا الخطاب حيث يتناول القناة الفضائية ( عشـــــتار ) :
في مقال للسيد سام شليمون تحت عنوان :
الأخوة التركمان والولادة العسيرة لفضائية عشتار ، يناشد الكاتب فضائية عشتار
بمراعاة مشاعر الأخوة التركمان ، وأنا اضم صوتي الى صوت الكاتب بمراعاة مشاعر
الأخوة التركمان ، لكن كاتبنا ( سام شليمون ) الذي يبدو انه بارع في مراعاة
مشاعر الآخرين . هل من المعقول ان علمه ودراسته لم يتوصلا الى وجود قوم عراقي
اصيل المعروف بالكلـــدانيين ؟
وأن قوميتهم الكلدانيـــــــــة معترف بها ومدونة بالدستور العراقي الى جانب
القوميات العراقية الأخرى ؟
وأهم من هذا كله :
ان هؤلاء الكلدانيــون هم بشر ولهم مشاعر كبقية الناس ، وإن هؤلاء الناس ليسوا
قطيع يقوده السيد سام شليمون وغيره من غلاة الفكر القومي الآثوري العنصري .
يقول السيد سام شليمون في مقاله :
كلنا نعرف بأن العراق متكون من قوميات عديدة لكنه معروف بالقوميات ( العربية
والكردية والآشورية والتركمانية ) هذا الطيف الجميل الذي يزداد بهاءً …الخ
ويتساءل : مع كل الأسف وبكل اسى اقولها هل نسي او تناسى اخوتنا في فضائية عشتار
… اخوتنا التركمان من المعادلة الفضائية العراقية الآشورية عشتار ؟
ويستطرد الكاتب :
نطالب عشتارنا الجميلة … وان لا تحاول ان تمس شعور أي مواطن يعتز بعراقيته
سواء كان اشورياً او تركمانياً او كردياً او عربياً …
ويخلص الى القول :
… وقد ولى زمن التهميش ، لقد قبر زمن الدكتاتورية انه زمن الديمقراطية ، زمن
الحرية وستبقى سماء العراق ملونة بالعربية والكردية والآشورية والتركمانية الى
الأبد … امين .
ان مثل هذا الخطاب العنصري الذي يتباكى صاحبه على مشاعر الآخرين ، يعطي لنفسه
الحق في تحديد من له مشاعر ينبغي مراعاتها ، ومن هم عبارة عن قطيع ليس لهم
مشاعر ، فالكلدانيون بنظر الكاتب : هم عبارة عن خدم وعبيد في بيت سام شليمون
وأجداده ، وقرر انه لا يحق ان يكون لهم اســم او هوية او مشــاعر قوميــة .
فضائية عشتار
وهذا الخطاب
لا ادري مدى تجاوب فضائية عشتار مع هذا الخطاب
المتزمت العنصري بكل المقاييس ، لكني في ايام تواجدي في بيت ابنتي حيث يلتقطون
فضائية عشتار ، سنحت لي الفرصة لسماع نشرة الأخبار لهذه القناة ، لقد لقيت
صعوبة في فهمها وفاتني الكثير من محتواها ، وتساءلت حينها أين لهجتنا
الكلدانيـة المحكية ( الســــــــورث ) ؟
اين لهجتنا الدارجة في تلكيف والقوش وتلسقف وبطنايا ومنكيش و …. الخ ؟
لماذا نريد دفن لغتنا وهي حية ؟
لماذا لا نقرأ الأخبار بلغتنا التي نعرفها جميعاً ؟
إذا كانت الأخبار تبث لابناء شعبنا الا يجدر بنا ان نقرأها باللغة التي يفهمها
الصغير والكبير ؟
انها تسـاؤلات كثيرة عن العبرة التي تراها قناة عشـتار في وأد وتهميـش لغتنا
الجميلة ( الســورث ) .
اجل ان اللهجة التي تقرأ فيها الأخبار هي لهجة من لهجات لغتنا ، لكن لماذا نريد
الأبقاء على لهجة معينة من لهجاتنا ؟ في حين نحاول تهميش ودفن لهجة ثانيـة لا
زالت حيـة متداولة بين ظهرانينـا .
أنا اعتبر ذلك ( وأرجو ان اكون مخطئاً ) انه استجابة للخطاب الآشوري المتزمت
الذي يتسلح اليوم بشئ من النفوذ والسلطة .
هناك من يدعي ان لغتنا فيها الكثير من المفردات العربية ، لكن لنأتي الى المنجد
العربي ، ونقرأ الكم الهائل من المفردات العربية والتي تتأصل جميعها الى اللغة
الآراميــة .
ان الذي اخافه هو وقوع فضائية عشتار في مصيدة الخطاب الآشوري المتشدد فتقوم
بأشـــورة لغتنا وتراثنا ومآثرنا ، وكما هو الحاصل في قناة آشور التي تبث من
بغداد التابعة للحركة الديمقراطية الآشورية [ الزوعا
] ، وفضائية بين النهرين للدكتور داديشو ، اللتان تعملان بإصرار وتعمدان الى
اشورة كل ثقافة شعبنا باسمائه التاريخية الجميلة الكلدان والسريان والآشور .
إنها عملية لتزوير التاريخ في وضح النهار ، وينبغي ان نتصدى لها .
انا لا ادعو في هذا المقام الى كلـدنة الخطاب الأعلامي والسياسي والثقافي ،
انما ادعو الى موازنة معقولة بين الخطابات الثلاث لشعبنا من السريان والآشور
والكلدان في معادلة لا ترجح كفة جانب على حساب الجانب الآخر ، وكما يجري في
الفضائيات الآشورية التي اشورت كل الثقافة العائدة لشعبنا بألوانه وتنوعاته
الجميلة ، الى لون واحد كئيب .
إننا نؤمن بحيادية واستقلالية فضائية عشتار وأملنا ان تبقى كذلك .