حبيب تومي / اوسلو
عبد حنا جمعة تعرفه سوح النضال ويألفه جبل القوش الأشم ، إنه ذلك المناضل الذي كرس حياته للنضال يغمره التفاؤل والأمل لتحقيق أماني شعبه ، فتحّمل شظف العيش وقساوة الحياة وركب موجة المخاطر مع اقرانه ، وفي كل تلك السنين الطافحة بالتعب والجوع والمؤامرات حرص على ادبه الجم ووده الصادق مع الآخرين وصداقته المحببة مع الصغير والكبير ، فكان له قلب كبير يفيض بالنبل والأخلاص غير المحدود لشعبه ووطنه العراقي .
بقي أميناً لمبادئه ولم يشغل نفسه ببورصة المال ومكاسب الحياة ، وظل أميناً طوال حياته على النهج الذي اختاره فكان جل همومه تنحصر في تخليص شعبه من براثن الأستبداد والقهر ، كان سر ديمومته في هذا الطريق الصعب ، نابعاً من اصول تربيته العائلية النقية ، فهو من عائلة مناضلة ومن القوش الحبيبة ، المدينة الكلدانيـــة العراقيـــة التي عرفت بمواقفها الوطنية ، كما ان الأستمرارية في هذا النهج لم تكن يسيرة لولا وقوف الزوجة الوفية المخلصة فضيلة بوداغ الى جانبه .
كانت الحكومة تلجأ الى اساليب القهر والتنكيل
بعوائلنا حينما اصبحت هذه الحكومة عاجزة عن
النيل من المناضلين ، لقد كانت الزوجة الوفية
والأم الرؤومة فضيلة تحتضن اطفالها الثلاثة
ثائر وثائرة وغادة وكان عمر اكبرهم لا يزيد
على 7 سنوات ، ورافقت عوائل القوشية اخرى
هاربات من بطش السلطات الحكومية وتحت جنح
الظلام متوجهين نحو قرية بوزان ، ومن هنالك
الى قرية باعذري حيث كان بعض افراد من عائلة
تحسين بك ، ورغم التحاقهم مع قوات الجتا
الحكومية إلا انهم كانوا يكنون الود والأحترام
لتوما توماس وعبد جمعة ولاهالي القوش عموماً ،
فحافظوا على العوائل والأطفال وضمنت وصولهم
الى قرية بيروزافا ، ومن هنالك الى تلسقف ،
وبعد ايام تمكنوا من الوصول الى مدينة الموصل
رغم ملاحقة السلطات الحكومية لهم ، فكان
وصولهم بفضل المواقف الطيبة لابناء شعبنا
وبتعاونهم تمكنوا من الأفلات والوصول الى هذه
المدينة ومن هنالك انتقلوا الى بغداد . لقد
ضربت تلك العوائل العراقية الألقوشية مثالاً
حياً للصبر والتحمل بوجه القهر والتعسف
والعدوان .
وإذا تتبعنا حياة المرحوم عبد جمعة فإنه قد
تخرج من معهد المعلمين سنة 1954 وعمل في
التدريس ، وفي سنة 1959 اعتقل في كركوك لاسباب
سياسية لمدة سنتين .
أزعم ان المرحوم عابد جمعة من المحاربين القدماء إن صح القول فقد كنا من الرواد الملتحقين بصفوف الثوار مع الثورة الكردية ، وكثير من هؤلاء قد ودعوا هذه الحياة ومنهم المناضلين : توما توماس ، الياس الصفار ، هرمز شعوكي ، رحيم قس يونان ، واسكندر بجوري الذي وافاه الأجل في هذه الأيام ، وعابد كَردي ، وجورج كَردي وبطرس كَردي ، وأخوهم الشهيد فؤاد كردي ، وكان اول شهيد يسقط في المعركة ، وسالم اسطيفانا ، وصبري نكارا ، والشهيد بطرس هرمز جركو الذي كان مع الشهيد كوريال من تلسقف يوم استشهدوا سوية . وهنالك اسماء اخرى لا تحضرني اسماؤهم ، وفي مدار تلك السنين كنا مع او قريبين من اخوتنا الآثوريين العاملين تحت قيادة الأنسان الشجاع هرمز ملك جكو وبعده مع مامي طليا .
كان المرحوم عبد جمعة حريصاً على إبقاء حبل المودة والصداقة مع الجميع ، فكان بهدوئه وأناته وقوة حجته يعمل على اقناع الآخر مستفيداً من سمو ثقافته وتجاربه في الحياة ، إضافة الى ما كان يتسم به في عناوين التواضع ودماثة الأخلاق والشجاعة ، فكان يحظى بثقة واحترام الجميع .
عبد حنا جمعة كان يحمل ثقافة عالية وله أسلوب إقناع منقطع النظير ، وهو محاور سلس حاضر البديهية ، ولا يجابهك بكلمة لا ، إنما يعوض عنها بلباقة بكلمة ( نعم .. ولكن ) وله نفس طويل في تقبل الآخر مهما كان على الضد منه ، لكنه في كل الأحوال لا يفرط بالمبادئ ولا يساوم عليها مهما كان الثمن ، فكان له شخصية محبوبة ومحل تقدير واحترام من قبل الجميع ، ومع هذه المعطيات عن هذه الشخصية الألقوشية المثقفة قلما تجد إنساناً يحمل الحقد عليه حتى لو كان على خلاف مبدأي معه ، فانفتاحه ورحابة صدره وصراحته الشفافة ومصداقيته يكسب ود وثقة محاوره .
رحم الله صديقنا العزيز عبد جمعة وأسكنه نعيم ملكوته السماوي ، وباسم أسرة نادي بابل الكلداني في النرويج نقدم مواساتنا وتعازينا القلبية ، لولده ثائر والعائلة الكريمة ولاخوانه نجيب وجميل وعمانوئيل (مانو ) واخواته نعيمة والماسير بولين في العراق والسويد والى كل كل آل جمعة المحترمين .