حبيب تومي / اوسلو
الأنتخابات على الأبواب في نهاية الشهر الحالي والمرشحون يحبسون انفاسهم منتظرين مزاج الناخب العراقي والى من سيدلي بصوته الثمين ، إنها لحظة ترقب وصمت وتأويلات ، ونتائج البيدر قد لا توافق حسابات الحقل ، فمزاج المواطن ولحظة إدلائه بصوته والتعبير عن قناعته ليس من السهل ضمانها لاي فريق ، وامام تلك اللحظة تظل المخاوف قائمة لاسيما بالنسبة للقوى التي تملك نفوذ وسلطات وموارد ، وهي تتربع على عرش الأكثرية وهي تتوجس خشية من اهتزاز تلك المكانة وتغيرها نحو التقليص والأنكماش . وفي دنيا الأنتخابات كما هو معلوم ،ثمة احتمالين للنتيجة لا ثالث لهما فإما الفوز وإما الخسارة .
لا ريب ان عملية الأنتخابات التي ستجري في
نهاية هذا الشهر تعتبر علامة فارقة لقدرة
القوى والأحزاب السياسية ولها اهمية اختبارية
لخوض الأنتخابات البرلمانية للدورة المقبلة في
نهاية هذا العام .
في هذه الأنتخابات ثمة صراع بين القوائم
المختلفة ، وصراعات أخرى داخلية بين القوائم
المتحالفة نفسها ، لكن هنالك صراع آخر يلوح في
الأفق ويتبلور بجلاء على الساحة السياسية
العراقية ، وهو مرشح للاستقطاب في مجريات
الأنتخابات المحلية في نهاية هذا الشهر وفي
انتخابات البرلمان العراقي في نهاية هذا العام
او في بداية العام القادم ، وهو نزوع الناخبين
نحو القوى العلمانية وهذه ما تلوح نحوه مؤشرات
المراقبين للعملية السياسية في العراق .
إن حصيلة الأعوام المنصرمة من عمر مجلس النواب
ومجالس البلديات لم تكن في صالح الأحزاب
والقوى الكبرى المهيمنة ، حيث فشلت هذه القوى
في تسهيل حياة المواطن بتوفير الخدمات
الحياتية الضرورية في حياته اليومية ، في جانب
لا بد من الأعتراف بتحقيق تقدم ملحوظ في
استتباب الأمن والأستقرار في بغداد والمدن
العراقية عموماً . لكن جوانب الحياة الأخرى لم
تمض في المسار الصحيح ، فآلية المحاصصة
الطائفية بقيت ملازمة طيلة السنين المنصرمة ،
وإن المصالحة التي نسمع عنها كانت عبارة عن
محاولات استرضائية لهذا الطرف او ذاك وفي احسن
الأحوال كان بتقديم شئ من الكعكة للطرف
المتمرد ، فبقيت العملية السياسة في سياقات
تحقيق مكاسب لطرف من الأطراف مع تغييب وتهميش
المصلحة العليا للوطن العراقي .
كما لم يكن هنالك مساءلة لأي وزير عن الخروقات
والفساد الأداري والمالي المستشري في فواصل
الدولة ، ولم يخرج العراق بخطط اقتصادية
استثمارية واضحة تقلل من البطالة المتفشية
والبطالة المقنعة لكن الجهود انحصرت في خلق
وظائف غير مجدية الهدف منها مساعدة المواطن
ليس إلا .
إن هذه الحالة من الأقتصاد تحول ثروات النفط الوطنية الى رواتب لمستهلكين لا ينتجون شيئاً لقاء رواتبهم ، فيبقى السوق العراقي سوق استهلاكية غير منتجة ، وهكذا امام هذا الواقع كان ضمور الصناعة العراقية المنتجة ورافقها خمول في الأنتاج الزراعي ، فأبقى العراق دولة مستوردة لمعظم المنتجات الزراعية من حبوب وفاكهة وخضر . وبقيت البطالة المقنعة هي السائدة في الساحة المجتمعية والأقتصادية العراقية ، وباتت واردات النفط تصرف على الأستهلاك اليومي بدلاً من الأستثمارات الصناعية والزراعية.
إن المواطن العراقي المعتدل أو { اللامنتمي } الى الأحزاب الرئيسية الكبيرة ، يقف عاجزاً لايجاد مخرج لمشاكله في ظل الصعوبات التي تعترضه بسبب عدم انتمائه لتلك القوى ، وأمام هذا الواقع والصعوبات اليومية وعدم إحراز اي تقدم لسنوات خلت ، عكف المواطن العراقي على التوجه الى القوى العلمانية التي لا زالت تحبو في العملية السياسية نظراً للنتائج المتواضعة التي حققتها في الأنتخابات السابقة ، وعلى ضوء تلك النتائج لم يكن لها دور مؤثر في العملية السياسية والأقتصادية في البلد .
لقد كان التيار السياسي الديني في اوج اندفاعه ، واستجابت الجموع لذلك التيار الجارف ، وهكذا حقق هذا التيار بأحزابه الأسلامية تلك النجاحات الكاسحة . إلا ان صيرورة الأوضاع المعاشية الصعبة لهذه السنين، وعدم تحقيق وإحراز اي تقدم ملموس في تقديم الخدمات الحياتية طيلة الخمس سنوات المنصرمة ، اختزلت ثقة المواطن بتلك القوى ، ودأب على ايجاد مخرج لعله يفلح في انتشاله من واقعه المرير .
لاشك ان القوى التي تمسك بزمام الأمور لا يمكن
ان ترضخ وتستجيب بسهولة ، ونقرأ اليوم ان
خطباء الجمعة يقاتلون بضراوة {حسب الشرق
الأوسط بتاريخ 25 /01 } لحث الناخبين على
المشاركة في الأنتخابات وطالب بعضهم بالتصويت
لصالح قوائم معينة حسب الجريدة المذكورة والتي
استطردت بأن رجال الدين يقاتلون بضراوة من اجل
حث الناخبين على التصويت للاحزاب الأسلامية ،
وسط تقارير أشارت الى ان الناخبين العراقيين
باتوا يفضلون المرشحين العلمانيين إثر إخفاق
الأسلاميين في تحقيق الوعود التي قطعوها خلال
الأعوام الماضية .
من القوائم العلمانية التي تؤمن بالديمقراطية
والتي يمكن الركون اليها وهي القائمة العراقية
وقوائم الحزب الشيوعي وقائمة التحالف
الكردستاني وقوائم المكونات الصغيرة كالقوائم
الكلدانية والآشورية .
إن العملية السياسية من اجل ان تخرج من قوقعة المحاصصة والأصطفافات الطائفية ينبغي ان تبنى على أركان راسخة إما ان تتألف من قطبين رئيسيين ، قوى حاكمة تمسك بزمام الأمور وتدير دفة الحكم ، وأخرى معارضة لها ومراقبة لخطواتها ، ويكون ترتيب هذه القوى على اسس سياسية معروفة من يسارية ومحافظة ووسط ، وينبغي ان تتبوأ الهوية العراقية لتكون الهوية الرئيسية ، مع احترام الأنتماءات الأخرى إن كانت دينية او اثنية او مذهبية . ونتمنى لعراقنا الحبيب ان يكون مثالاً رائداً للعملية الديمقراطية الناجحة في المنطقة .