سُلاف رشيد
عندما يكتبُ الناسُ عن شخص ٍ
ما ، فذلك لانهم ْربما عَمَلوا معهُ ،وعاشوا أياما ًأو سنواتٍ معا ً ، أو ربما
تصادف معهمْ في موقف ٍما ، أما أنا ، التي أرتسمتْ في روحي صورة ُسمعية ُعن
رجلٍ تمنيتُ أن ألتقيه ، صورة ُهي الابهى والاجملَ، لأنها لم تشووهها عدسة ُ
العين ْ ، إنها صورة ُالراحلِ ِ أبو جوزيف .
للطفولةِ أحلامها الملونةِ ، كفراشاتٍ في حقلِ ورود ٍربيعية ٍ،تتناغمُ مع
هَمَساتِ الروح ،وتكبَرُ مع حنان الأم والأب ِ، فيرتسِم ُ عالم ُمن بنفسج َ أو
جلنار،أو تهمُدُ الروحَ وتنطفئ ُ، فلا تعدو أكثرَ من هشيم ٍ،إثرَ صاعقة ٌ في
خريف ٍبائس ٍ.
في أول خربشات ِالاحرف ِ،وتعلّم ُ نُطقَ الكلماتِ المرسومة ِعلى الورق ِ، وحفظِ
الالحانَ التي لايتعدى معناها خيال ُالطفولة ِ( أيها النهرُ لا تسرْ…
وأنتظرني لأتبعكْ……أنا احضرتُ زورقي …..وهو يا نهرُ من ورق ….فأنتظرني
لأتبعكْ )
كنتُ أتابعُ مجرى النهرِ في حديثِ أبي وهو يروي لأمي عن شخص ٍ لا أعرفُ حتى
أسمهُ ، كنتُ مأخوذة ً بعالم الكلماتِ – الطلاسم ِ، ومثلما هو أنشدادُ أمي
لحديثِ أبي ، رأيتني أتركُ زورقي يأخذهُ تيارُ النهر بعيدأ ، ليأخذني تيارُ
حديثِ أبي بعيدأ مع هذا الاسم ِ،الذي أسسَ له مملكة ًفي زاويةٍ من زوايا ذاكرتي
منذ ذلك الوقتَ ، وكان يراودني حلمُ أن أرى (عمو توما ) ، حلمُ يجعل ُ هذه
الصورة َالبهية َ أكثرَ جمالا ً ، وهل هو أقلُ بهاءاً من الصورة ِالحلم ِ؟
كنتُ كأبناءِ مدينتنا ، الذين ولدوا وترعرعوا في بغدادَ ولم يتسنى لهم زيارة
َمَدينتَُهم ، ولكنها تمحورتْ في الذاكراةِ من خلالِ تجسيدها في علاقات
ِابناءها القاطنينَ في بغدادَ ، كانت القوش حاضرة ً في بغدادَ بكل تفاصيلها ،
وكان أبو جوزيف قطبُ رحاها ، لا تدورُ ألا به ، ولا يتماسكُ ألا بها ، نذكرُ
أسمهُ فيما بيننا مثل منشورٍ سري ونتفاخرُ به وكأنه أبٌ لكل واحد منا .
عندما بدأتْ ملامحُ الوعي تتشكلُ ، كانت صورة ُ أبو جوزيف أساسَ هذا
الوعي،مثلما هي صورة ُأبي ، عندما أعتُقلَ والدي وبدأ الاملُ يتضاءلُ في عودتة
ثانية ًألينا ، كانت صورة ُ ابو جوزيف هي الوجه الثاني في تركيبة مخيلتيِ ،
ولهذا راودتني فكرة ُ الالتحاق بالحركة ِالانصاريةِ وكانت هذة الفكرة ُ تأكلُ
وتشربُ معي لسنواتٍ خلت ْ.
كانت صورة ُابو جوزيف التي انطبعتْ في ذاكرتي هي لرجل ٍبهيُ الطلعة ِ لا يعرفُ
الخوف ُ سبيلا ً الى قلبهِ وقد أخذتْ الشجاعة ُمنه أسمَها ، فتركتْ رعباً في
قلوبِ أعدائه ِ، سمحٌ متسامحٌ بسيطٌ في تعامله مع الناس ، شَهِِِمٌ حدَ
التضحيةِ بالنفس ، يحبُ الفقراء َحُبَهُ لابنائه ِ،و يَحُبُ مدينتهُ وابناءها
حبهُ للعراق ِ وابناءهِ ، قويُ الشكيمةِ ثابتُ العزم ِ ، ينائ بنفسهِ عن
الصغائر ِ، كريمُ حدَ تقاسُم ِ الرغيفَ مع الاخرين ، عطوفٌ يمتلأُ حنانا ورقة ً
لكل ماهو جميلٌ بهذا الكون ، كنت اتصورهُ في كل المناسباتِ ، يوزع ُعلينا
الحلوى نحن الاطفالُ ، أنه عمو توما .