سُلاف رشيد
من كثافة غابات الحزن بروحي ، ومن رذاذ الألم المعتق بكل خلاياي ، من حالات
الكآبة التي تحيط بكل كياني ، ومن دائرة البؤس التي تؤطر عينيَّ ، من كل هذا
التشاؤم ، هذا الوليد الشرعي لكل سنوات الغربة ، أحاول اليوم أن أجعل شمس بلادي
تبعث لي بدفئها ، رغم البعد الذي لا استطيع أن احدد مداه ،كم اشتاق إلى شمس
بلادي ، رغم حرارتها العالية أثناء الصيف ، كم هو جميل شاعرنا السياب حين قال :
(
الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام ،
حتى الظلام ،
هناك أجملُ فهو يحتضن العراق )
أستحضر اليوم شمس بلادي إلى هنا ، هنا الغربة ، هنا الموت ، أدخلها إلى بيتنا
المعتم رغم كل الأضواء ، لا بل ادخلها إلى غرفتي ، أريدها أن تكون معي في هذا
اليوم بالذات ، فهو الأول من أيار ، أحببت هذا اليوم ، أو في الحقيقة تعلمت حب
هذا اليوم ، علمني والدي كيف أحب هذا اليوم ، كانت كلماته عن هذا اليوم تدخل
إلى روحي دون جواز مرور ، من القلب إلى القلب ، أتذكر الدرس الأول ، يوم كنت في
البصرة عند بيت خالي في زيارة لهم مع عائلتي ، فقد بعثوا بيدي طعاما إلى عائلة
تسكن في ( صريفة ) ، وكانت المرأة التي استقبلتني وقبلتني هي الزوجة والأم
لعائلة رب أسرتها عامل بناء ، وحين عدت إلى بيت خالي كان الدمع يترقرق في عيني
َّ،وعندما أجبت والدي عن سبب البكاء ، ضمني إلى صدره وقبلني ، وأنا أكرر جوابي
الذي كان على شكل سؤال ،لماذا تعيش هذه العائلة في هكذا بيت ، ويبدو أن والدي
يعرف رب الأسرة ، قال لي ( أبو جاسم عامل بناء ، وأجرة عمله قليلة ، بس هو
إنسان شريف و يحب الناس ، ) وجرعة بعد أخرى ، زرع والدي بروحي حب العمال ، فقد
كان يحتفل في كل عام بعيدهم ، وهو يكرر ضاحكا ( لا تنسين اليوم عيد أبو جاسم
وجماعته )
أستحضر الشمس إلى روحي ، كي يأخذني دفئها ، إلى تلك الأحياء الفقيرة ، لأن
أهلها لا يملكون غير الشمس والصدق والنقاء والطيبة .