"يا لَعَظَمَتِك… وَأَنْتَ تَقِفُ
شَامِخًا بِكُلِّ هٰذَا الحُزْنِ الَّذِي
يَسْكُنُكَ يا صَدِيقِي!"
مَنَحْتَ العَالَمَ كُلَّ السَّعَادَةِ
وَالأَمَل، أَعْطَيْتَ الدُّنْيَا وَرْدَهَا
وَنُورَهَا، وَلَمْ تَأْخُذْ لِنَفْسِكَ
شَيْئًا! أَهٰكَذَا يَكُونُ جَزَاءُ
العُظَمَاءِ، وَجَزَاءُ الكِبَارِ فِي زَمَنٍ
افْتَرَسَتْهُ الوُحُوشُ وَتَنَكَّرَ فِيهِ
الزَّمَنُ لِلْجَمِيلِ؟!
أَتَذَكَّرُ أَيَّامَنَا المَجِيدَةَ
مَعًا فِي "مَحَطَّةِ المَشَاهَدَةِ"؟
تِلْكَ المَحَطَّةُ الَّتِي كَانَتْ
الْمَلْأَمَ لِأَرْوَاحِنَا الحَالِمَةِ…
أَتَذَكَّرُ كَيْفَ كُنَّا نَنْظُرُ مَعًا
صَوْبَ الأُفُقِ وَنَرْسُمُ حُلْمَنَا
المُشْتَرَكَ نَحْوَ الحُرِّيَّةِ؟ كُنْتُ
أَنَا أُجَسِّدُ ذٰلِكَ الحُلْمَ فِي خُطُوطِي
وَأَلْوَانِ لَوْحَاتِي، وَكُنْتَ أَنْتَ
تُصَاغُ الشَّوْقَ وَالثَّوْرَةَ فِيمَا
بَيْنَ أَبْيَاتِ أَشْعَارِكَ! كَانَتْ
لَوْحَاتِي وَأَشْعَارُكَ وَجْهَيْنِ لِعِشْقٍ
وَاحِدٍ اسْمُهُ الحُرِّيَّةُ وَالوَطَن.
أَتَذَكَّرُ حُلْمَكَ القَدِيمَ يَا "بَدَل"؟
كَمْ كُنْتَ تَحْلُمُ أَنْ تَكُونَ
بَطَلًا أُسْطُورِيًّا يَحْمِلُ
لِمَحْبُوبَتِهِ الأَبَدِيَّةِ (الوَطَنِ)
عِقْدًا فَاخِرًا مِنْ أَلْمَاسٍ وَيَاقُوت!
وَلَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ حِينَهَا أَنَّ ذٰلِكَ
العِقْدَ الثَّمِينَ لَمْ يَكُنْ سِوَى
قَلْبِكَ البَرِيءِ النَّاقِي، الَّذِي خُضِبَ
بَدِمَاءِ الحُرِّيَّةِ وَالفِدَاءِ مِنْ
أَجْلِ هٰذَا الوَطَنِ.
وَاليَوْمَ… وَفِي خَرِيفِ العُمُرِ،
بَعْدَ أَنْ أَنْهَكَكَ التَّعَبُ وَعَضَّتْكَ
الغُرْبَةُ بِنْيَابِهَا، فَنَكَرْتَ فِي
العَوْدَةِ كَمَا عَادَ "مَارْكُو بُولُو"
بَعْدَ رِحْلَاتِهِ الطَّوِيلَةِ، حَامِلًا
مَعَكَ ثَرْوَةً مِنْ ثَقَافَاتِ العَالَمِ
وَتَارِيخِ الأُمَمِ لِتَهْدِيَهَا إِلَى
أَرْضِكَ…
أَهٰكَذَا يَكُونُ التَّكْرِيمُ؟!
أَلَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُ خِيَانَةَ
إِخْوَتِكَ مِنْ أُمِّكَ، وَسَرِقَتَهُمْ
لِسَنَوَاتِ عُمُرِكَ وَتَضْحِيَاتِكَ؟
مِنْ إِخْوَةٍ يَرْقُصُونَ بِلا
رَحْمَةٍ عَلَى جَسَدِكَ المُمَزَّقِ
بِطَعَنَاتِ الغُرْبَةِ وَالجَفَاءِ؟!
يَا لِلْقَدَرِ! يَوْمَ وِلَادَتِكَ كَانَ هُوَ ذَاتَهُ يَوْمَ اسْتِشْهَادِ وَالِدِكَ البَطَلِ (مُحَمَّد طَاهِر)… مَاتَ الأَبُ شَهِيدًا عَنْ أَرْضِهِ يَوْمَ رَأَيْتَ أَنْتَ النُّورَ، وَكَأَنَّ القَدَرَ كَتَبَ عَلَيْكَ مُنْذُ الصَّرْخَةِ الأُولَى أَنْ تَحْمِلَ الرَّايَةَ، وَأَنْ تُوَاجِهَ مَصِيرَ ذٰلِكَ البَطَلِ الرَّاحِلِ، لِتُولَدَ كَبَطَلٍ أُسْطُورِيٍّ آخَرَ يَحْمِلُ اسْمًا مَغْرُوسًا فِي دَمِهِ الطَّاهِر… "بَدَل"! وَأَنْتَ تَعْلَمُ يَا صَدِيقِي جَيِّدًا لِمَاذَا سُمِّيتَ "بَدَل"!
ثُمَّ جَاءَتِ الفَاجِعَةُ الَّتِي هَزَّتِ الرُّوحَ… فِي عَامِ 2018، مَاتَتِ الأُمُّ الرَّؤُوفُ حُزْنًا وَوَجَعًا عَلَى غُرْبَتِكَ الطَّوِيلَةِ! لَمْ يَسْتَطِعْ قَلْبُهَا الرَّقِيقُ احْتِمَالَ جَمْرِ الشَّوْقِ وَحَسْرَةِ النَّنَائِي، فَفَارَقَتِ الدُّنْيَا مَكْمُودَةً، وَتَرَكَتْكَ تَسْبَحُ وَحْدَكَ فِي هٰذَا البَحْرِ العَظِيمِ، تَصْنَعُ الأَمْجَادَ لِلْوَطَنِ، وَتَكْتُبُ القَصَائِدَ لِلأُمِّ—(سيدة التُّرَابِ) كَمَا اسْمَيْتَهَا أَنْتَ بِعِشْقِكَ المَجْنُونِ!
كَمْ كَانَ المَشْهَدُ جَمِيلًا وَشَجِيًّا وَأَنْتَ تَعُودُ أَنِيفًا إِلَى أَحْضَانِ هٰذِهِ التُّرْبَةِ الزَّكِيَّةِ، الَّتِي أَرَقْتَ عَلَيْهَا أَيَّامَكَ وَالَّتِي سَالَتْ عَلَيْهَا مِنْ قَبْلُ دِمَاءُ أَبِيكَ الشَّهِيدِ البَطَلِ الَّذِي كَادَ يَلْفَهُ النِّسْيَانُ…
لَقَدْ رَجَعْتَ إِلَى قَدَرِكَ المَكْتُوبِ؛ عِشْتَ غَرِيبًا، وَتَمُوتُ غَرِيبًا… وَلٰكِنْ، أَلَيْسَ هٰذَا هُوَ قَدَرُ العُظَمَاءِ وَالأَبْطَالِ؟ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ إِلاَّ قِيَامًا، مِنْ أَجْلِ الحُرِّيَّةِ وَمِنْ أَجْلِ الوَطَنِ!
أَتَذَكَّرُ أَمْجَادَكَ المَخْلُودَةَ يَا صَدِيقِي البَطَل… بَدَل مُحَمَّد طَاهِر (بَدَل رَفُو).
تَوْقِيعٌ بِالدُّمُوعِ وَالوَفَاءِ:
مِنْ مُذَكَّرَاتِ صَدِيقِكَ وَرَفِيقِ
رُوحِكَ: الفَنَّان سَالِم كُورْد